بعد أن أصبحت الأحداث المتعلقة بالشأن العراقي تتصدر نشرات الأخبار في الأجهزة الإعلامية وتحظى بأهمية الشارع العالمي قام الكثير من الكتّاب ولا سيما العراقيين منهم بإطلاق العنان لأقلامهم وآرائهم ليدلوا بدلوهم في المسائل التي تخصهم أو لا تخصهم دون خوف من (البعبع) الذي كان يؤرقهم ويلازمهم أينما حلّوا. . وانعكس ذلك على صفحات المواقع المختلفة في الشبكة العنكبوتية إذ شهدت مقالات يكتبها كل من هب ودب في موضوع يخص الشأن العراقي. . وما اكثر هذه المواضيع!. . ولكن ينبغي ألا يفهم من هذا إن الكتاب المبدعين الذين لهم باع طويل في المؤسسات الإعلامية المختلفة قد غابوا عن هذه الساحة. . بل اصبحوا ينطلقون بأقلامهم وبحرية لم يشهدوها من قبل بعد أن انتقلت جمهورية الخوف إلى ذمة التاريخ. ويجب أن نشير هنا إلى أن ما يطرحه هذا الكاتب أو ذاك من رأي ليس كله يلقى القبول والاستحسان عند كل الناس ولا سيما من العراقيين، فهناك من المسائل الحساسة لا يمكن لفئتين أن تتفقا بشأنها، فكيف إذا كان النسيج العراقي منقسما إلى أطياف؟ ويسعى كل طيف إلى إثبات أو تعزيز وجوده ولو على حساب طيف آخر. . كما برز أشخاص يحاولون التقرب لطيف من هذه الأطياف علّهم ينالون حصة من اسهم الدولة العراقية المطروحة في البورصات الحزبية، مستخدمين أساليب مختلفة وان كانت مضللة أو ملتوية.
ومن المقالات التي تتعلق بالتركمان مقال كتبه إبراهيم الداقوقي الذي عرّف نفسه بأنه: "رئيس تحرير مجلة الغد – فيينا" ونشره في أحد مواقع الإنترنت وهو تحت عنوان "تركمان العراق: مواطنون أم رعايا؟" والدكتور إبراهيم الداقوقي معروف في الأوساط العراقية بشكل عام والوسط التركماني بشكل خاص بكونه إعلاميا وأستاذا جامعياً خدم ردحا من الزمن في نادي الإخاء التركماني وترأس هيئة تحرير مجلة يكي عراق التي كانت تصدرها وزارة الأعلام في عهد عبد الكريم قاسم. . أي انه نشأ تركمانيا. . ولكنه انتهى في نهاية المطاف كردياً. . ولا ضير في ذلك ونحن نعيش في عصر اصبح تغيير الانتماء الحزبي والقومي سمته طالما انه يصب في المصالح الذاتية للشخص. وعلى الرغم من أن الدكتور إبراهيم تطرق في مقاله إلى ما عاناه المواطنون التركمان في عراق صدام حسين من سجن وإعدام وتشريد ومصادرة الأملاك. . وتناول بعض (الحقائق) المتعلقة بالتركمان، إلا انه أورد بعض المسائل التي لا يمكن قبولها بأي شكل من الأشكال وبخاصة من قبل التركمان الذين يمرون اليوم بظروف قاسية لم يشهدوها حتى في العصور الدموية التي مر بها العراق الجريح. ولكي أضع القراء بالصورة وجدت من المناسب التوقف عند هذه المسائل لنتساءل في نهاية المطاف ما الدوافع وراء كل ذلك؟
١. تطرق الدكتور إبراهيم إلى مراحل تاريخ التركمان في العراق بدءاً من مشاركتهم في حملة الإمبراطور داريوس الفارسي لمحاربة الاسكندر عام ٣٣٠ ق. م. ثم انتقل رأسا إلى السلالات التركمانية التي حكمت العراق اكثر من قرن (١٤٠١-١٥٠٧) من خلال حكومتي القرة قويونلية (الخروف الأسود) والآق قويونلية (الخروف الأبيض)، ضارباً عرض الحائط تاريخ التركمان الطويل والمشرف في العهود الإسلامية المختلفة وكأن الأتراك البخاريين الذين جلبهم عبد الله بن زياد في عهد معاوية بن أبى سفيان من أواسط آسيا، وكأن الأتراك الذين شاركوا في الدعوة العباسية والذين تقاطروا إلى العراق طيلة العهد العباسي. . وكأن السلاجقة الذين أنقذوا العالم العربي والإسلامي من الإبادة الصليبية. . وكأن اتابكيات الموصل والعمادية واربيل وامارة الايوائية في بهار ببلاد الجبل وامارة بني قفجاق التركمانية في كركوك. . كأن كل هؤلاء لم يكونوا أتراكا أو تركماناً؟ ولم يبق في جعبة الداقوقي غير حكومتي الآق قويونلي والقرة قويونلي؟ ثم من قال أن العثمانيين قضوا على هاتين الحكومتين كما يدعي؟ وأين ذهب الصفويون؟ ألم يكن هؤلاء تركماناً أيضا شأنهم في ذلك شأن العثمانيين؟
٢. إن الدكتور إبراهيم يسعى –حسب ما افهمه أنا- توجيه رسالة إلى كل التركمان في العراق بان عليهم ألا يراهنوا على تركية فلم تعمل تركية لهم في السابق أي شيء ولن تعمل بعد اليوم أي شيء. وعزز نظريته ببعض الأمثلة وهي:
أ. "إن تركية "رغم علاقاتها الجيدة بالنظام الساقط سكتت عن إعدام رئيس النادي التركماني. "
ب. "سكتت أيضا عن تهجير تركمان كركوك المعارضين وغير المنتمين إلى الحزب إلى كوت والبصرة أو السليمانية مع مصادرة أملاكهم ومنحها للعرب".
٣. ثم ذكر عن كركوك بأنها "تعد مدينة التآخي والتآلف والانسجام منذ تأسيس الدولة العراقية، رغم مطالبة كل من التركمان والأكراد بها دون أن يستطيع أي منهما إثبات حيازة اقلياتها على الأكثرية السكانية فيها –تاريخياً- إلى الآن". والحقيقة أن الداقوقي نفسه يعرف قبل أي كردي أو تركماني زيف قوله هذا، فلم يكن التركمان في أي يوم من الأيام بحاجة إلى أن يثبتوا تركمانية كركوك، إذ أن الاسمين كانا مقترنين بعضهما ببعض منذ أن وضع أول إنسان أساسا له في هذه المدينة.
٤. ولا ينسى الدكتور الداقوقي أن يقدم نصيحة رنانة قائلاً: "لذلك فأنني انصح بعض المتطرفين من الاخوة الأعداء –الأكراد والتركمان- أن يتخلوا عن المطالبة بكركوك مدينة التآخي القومي ورمز الوحدة الوطنية، لسببين أن العراقيين ومعظم العرب لا يقبلون بفكرة إلحاق كركوك بإقليم كردستان أو جعلها مركز (تركمنستان) التي يدعو بعض التركمان إقامتها في العراق. . " ولا اعرف هنا ماذا يقصد بالمتطرفين من التركمان؟ ثم ماذا تعني "بالمطالبة"؟ هل طالب التركمان كركوك ليقيموا عليها دولة مستقلة لهم؟ هل تجاوزت مطالبة التركمان إبقاء وضع كركوك على ما كانت عليها قبل التعريب والتكريد؟ ألم يطالب التركمان أن تكون كركوك وكل المدن التركمانية مدنا للتآخي الوطني؟ ثم من دعا جعل كركوك مركزاً لتركمنستان؟ ومن هم هؤلاء البعض الذين يريدون إقامتها في العراق؟ وإذا ما قام بضعة جهلاء أو سذج بإطلاق هكذا مطالب فهل يعتد بكلامهم؟ ولماذا نستبعد أن هؤلاء البعض ليسوا تركماناً؟ إن إثارة الموضوع بهذا الشكل ليس الهدف منه إلا خلق أعداء للتركمان من الاخوة العرب الذين شاركوا بعضهم البعض في السراء والضراء.
٥. وبخصوص هذه المطالبة يستنتج الدكتور إبراهيم قائلاً: "إن الإلحاح على تلك المطالبة وتطورها إلى الكفاح المسلح بين الاخوة / الأعداء قد تتخذها قوات الاحتلال حجة لفصل ولاية الموصل القديمة وإلحاقها بإحدى – أو اكثر من واحدة من دول الجوار في سيناريوهاتها المعدة لإعادة تشكيل المنطقة العربية. . " وإذا كان يفهم من "إحدى الدول" تركية، إلا أنني لا اعرف ماذا يقصد بأكثر من واحدة من دول الجوار؟ هل يقصد إيران وسوريا العدوتين اللدودتين لأمريكا؟ أم الكويت أو السعودية أو الأردن؟ أو دولة تكونت في مخيلته لا نعرف عنها؟
٦. وأثار الدكتور نقطة مثيرة حينما ربط مساندة تركية بالجبهة التركمانية السابقة في اربيل بإقامتها إذاعة وتلفزيوناً ومدارس للتركمان بسببين:
أ. "فصل التركمان عن إخوانهم الأكراد العراقيين من جهة".
ب. "لاستخدام الجبهة المذكورة ضد منظمة حزب العمال الكردستاني التركي الذي حلت بعض فصائله في كردستان العراق. "
أي أن تركية –حسب رأي الداقوقي- لعبت لعبة قذرة من شانها إثارة العداء بين التركمان والأكراد، وثم استغلال التركمان لمصلحتها الخاصة. فلنفترض جدلاً صحة ما ذهب إليه الداقوقي هل كان يريد الداقوقي أن يضع التركمان أولادهم في المدارس الكردية ويقطعوا لسانهم ويصموا آذانهم عن سماع من يخاطبهم بالتركمانية؟ ثم هل كان التركمان بمقدورهم حماية أنفسهم في اربيل حتى يتحولوا من جبهة الدفاع إلى جبهة الهجوم ليحاربوا حزب العمال الكردستاني؟ كنت أتمنى من الداقوقي إلا يتفوه بكلام بذئ بهذه البذاءة لان أي شخص ذي ثقافة محدودة يعي ما يذهب إليه هو. . اللهم إلا إذا كان هذا الكلام أملي عليه لان يكتبه بهذا الشكل السافر ودون مبطن!.
٧. والمضحك المبكي في مقالة الداقوقي هو ربطه عدم إشراك الجبهة التركمانية في مجلس الحكم بـ"انتقام أمريكا من تركية" إذ ذكر ضمن آراءه السديدة والعبقرية قائلاً: "وبعد سقوط نظام الدكتاتور وتشكيل مجلس الحكم بأمر قائد الاحتلال، انتقمت أمريكا من عدم مشاركة أنقرة لغزوها للعراق، من تركمان العراق برفض إشراك الجبهة التركمانية رغم عضويتها في مجلس المعارضة بلندن – في مجلس الحكم نكاية بأنقرة وعينت بدلاً منها- أي من الجبهة – مهندسة تركمانية غير معروفة في الأوساط التركمانية. . "
أنني على يقين أن الدكتور إبراهيم يعرف قبلي وقبل الكثيرين حيثيات إبعاد الجبهة التركمانية من مجلس الحكم والقوة الضاغطة التي لعبت دورا قذرا في هذا الصدد، والمؤامرات التي حيكت عشية تشكيل المجلس والظروف التي أحاطت بتعيين هذه المهندسة التركمانية وأبناء عائلتها في هذا المجلس. لان هذا الأمر اصبح معروفاً لكل التركمان صغيرهم وكبيرهم. . بل جعلهم يداً واحدة وملئوا حقداً على كل من كانوا السبب في اغتصاب حقوقهم. . وزادهم إيمانا بمشروعية حقوقهم التي سينالونها مهما اشتدت قوى الشر والضلالة لإيمانهم أن الحق يؤخذ ولا يعطى. كما أن الدكتور إبراهيم يعرف جيداً من الذي كان وراء البرلمان التركي عند رفضه دخول تركية إلى الحرب ومن الذين كانوا يقومون بالمظاهرات في تركية ليظهروا للعالم أن الشعب التركي بكامله يرفض الحرب. . وكأن التاريخ اصبح يعيد نفسه: عندما افتتح السلطان عبد الحميد الثاني في بداية حكمه أول برلمان عثماني (مجلس المبعوثان) فرض عليه النواب المسيحيون – بعد أن تحولوا إلى قوميين يدافعون عن حقوق الأتراك والمسلمين في روسيا – اتخاذ قرار خوض الحرب مع روسيا إيمانا منهم أن الدولة العثمانية إذا دخلت الحرب ستنهزم ويستقلون هم عنها وكان لهم ما أرادوا. .
٨. ومن النقاط الجديرة بالتوقف في مقال الدكتور إبراهيم تفسيره لمجزرة كركوك التي يسميها الفتنة الطائفية. لنتابع ما يذكره في هذا المجال: "أثار عملاء شركة نفط العراق الفتنة الطائفية في كركوك في احتفالات الذكرى الأولى بتأسيس الجمهورية بإطلاق العيارات النارية ضد المتظاهرين الأكراد ابتهاجاً بالمناسبة، ثم اتهام التركمان بمحاولة القيام بمؤامرة ضد ثورة ١٩٥٨ بالاتفاق مع اللواء ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية –آنذاك- في كركوك ثم بدء عمليات السحل والقتل العشوائي والنهب التي قام بها عملاء الشركة واتهام بعض الوطنيين الشرفاء من الشيوعيين والأكراد بارتكاب تلك العمليات لتصفية العناصر الوطنية النظيفة من القوميين واليساريين معاً، لضرب الوحدة الوطنية والتسامح الأخوي. . خدمة لمصالح الاستعمار البريطاني آنذاك"
لا أتصور هنا أن هذا الكلام بحاجة إلى تعليق لان الزيف والتلفيق الموجودين فيه واضحان وضوح الشمس. . ولكن ادع نفسي أن اسأل الدكتور إبراهيم: بربك يا دكتور هل أن من سميتهم بعملاء شركة نفط العراق هم الذين قاموا بمجزرة كركوك؟ أم. . . . . .؟!!