في مثل هذه الأيام التي يدافع فيها العالم عن بعض القيم العليا من أمثال الديمقراطية وحقوق الإنسان، يتم احتلال دول وإسقاط أنظمة تحت مسمى مكافحة الإرهاب، يتعرض العراق بشكل عام ومدينة كركوك بوجه خاص لأشد انتهاكات حقوق الإنسان وكافة القيم الديمقراطية والحريات الأساسية ويجري كل ذلك أمام أنظار حواريو الديمقراطية والمدافعين عن هذه القيم العليا.
فالتركمان في هذه الأيام يتعرضون لانتهاك ابسط حقوقهم ألا وهو حق العيش بحرية. فقد تعرض قبل فترة رئيس الجبهة التركمانية العراقية فاروق عبد الله عبد الرحمن لمحاولة اغتيال دنيئة شرعت بها أيادي خفية ظالمة تسببت في إصابة أثنين من أفراد حمايته بجروح ونجى بدوره من الحادث. وكانت مجموعة كردية من ذوي النفوس الضعيفة والمتطفلين قد شرعت يوم ٢٩/٢/٢٠٠٤م بالاعتداء على مقر الجبهة التركمانية العراقية فرع كركوك. وقد وقع الحادث أثناء عودة مجموعة من التركمان إلى كركوك عقب الانتهاء من اعتصامهم وممارستهم لإحدى ابسط الحقوق الإنسانية لهم في العاصمة بغداد. ان ما لا يتحمله هؤلاء الشوفينيون الذين لا يسمحون للأناس استخدام حق العيش في بلدهم وفي مدينتهم، هو وجود التركمان في كركوك. وابرز دليل على ذلك هو إستهدافهم وعقب أعمال التخريب والأضرار بالمبنى، تمثالي الشهيدين التركمانيين في مركز المدينة. فهذه المجموعة التي لا تتحمل مشاهدة حتى تماثيل التركمان الذين راحوا ضحية الغدر والطغيان في مجزرة كركوك عام ١٩٥٩، والتي اعترف بها حتى النظام الدكتاتوري الصدامي ونصبهما عام ١٩٨٨ في المدينة، فكيف لها أن تتعلم التعايش مع التركمان بوئام. .؟
ولم يشف غليل هذه المجموعة المحقونة أعينها بالدماء والمتعودة دوما على سفكها، ما فعلته، فواصلت اعتداءاتها في ٣/٣/٢٠٠٤ الموافق يوم الأربعاء أيضا. وكان هدفها مبنى إذاعة وتلفزيون توركمن ايلي الذي تعرض لاعتداء من قبل مجموعة مؤلفة من ٥٠ شخصاً. أما يوم الثلاثاء فقد حاولت مجموعة كردية أخرى الاعتداء على التركمان في ناحية التون كوبري التابعة لمحافظة كركوك متسببة في بعض الخسائر في المباني وإصابة بعض المواطنين التركمان بجراح.
إن القلق حول احتمال وقوع مثل هذه الأحداث في كركوك كان سائداً منذ فترة طويلة. إلا ان مثل هذه القلائق لم تلق لها أية أذن صاغية. فبالرغم من قيام المسؤولين التركمان في كركوك وبقية المناطق التركمانية بإخطار المسؤولين ومن ضمنهم الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر والقائد الأمريكي المسؤول عن مدينة كركوك وكذلك القائد الكوري المسؤول عن حماية الأمن في كركوك وغيرها من السلطات عن القلق الذي يساورهم، إلا ان الأحداث تواصلت دون انقطاع في طريقها نحو حرب أهلية.
ان التاريخ يشهد لنا نحن التركمان بأننا أناس مسالمون. وقد تعرضت هذه الجماعة لضغوط مختلفة وانتهاكات لأبسط حقوقها من قبل كافة الحكومات المتعاقبة للحكم في العراق. والتركمان لم ينظروا في أي يوم من الأيام نظرة حقد واستصغار إلى بقية الفئات الأثنية. إلا انه ورغم هذا السلوك السامي فانهم لم ينالوا ما يستحقونه مقابل ذلك. والدليل على ذلك الدستور العراقي المؤقت الذي تم التوقيع عليه رغم العديد من الاعتراضات والتحفظات من قبل التركمان والشيعة. فقد سعى مجلس الحكم الانتقالي العراقي إلى تهميش دور التركمان في العراق. فقد اختلطت المقاييس في هذا الدستور المؤقت ولا ندري على أي أساس حق للأكراد الحصول على كل هذه الأفضليات رغم عدم وجود فرق كبير بين تعداد هذه الطائفة والطائفة التركمانية. فهل هذا هو جزاء من يطالب بوحدة العراق وسيادته ولا يتعاون مع الأجنبي والمحتل.
وبالرغم من كل ذلك وبينما أناشد كافة الفئات القاطنة في العراق إلى التسامح بصرف النظر عن انتماءاتها العرقية أو الدينية أو المذهبية أو معتقداتها، أدعوهم في الوقت ذاته إلى التخلي عن السلاح المادي أي الحار والتسلح بالسلاح المعنوي أي بالديمقراطية والتسامح وتفهم الرأي الآخر.