في ذكـــــــرى مرور ١٣ عاماً على مجزرة التون كوبري التركمانية: مدينة عرفها التاريخ وسحقها النظام العراقي البائد
زياد كوبرولو
نعم انها مدينة عرفها التاريخ منذ القدم وسحقها النظام العراقي بدباباته التي اجتاحت هذه البلدة الآمنة الجميلة ، وباقدام قواتها المسماة بقوات الحرس الجمهوري يوم الثامن والعشرين من مارس/ آذار عام ۱٩٩۱. فقد اقتحمت هذه القوات المنازل واعتقلت منها أناساً ابرياء دون التمييز بين الشيخ والشاب وحتى الاطفال الذين لم تناهز اعمارهم الثانية والثالثة عشر عاماً. وعلى سبيل المثال لا الحصر الشهداء أتيلا أحمد أنور وأيوب صلاح سعيد وجتين أسعد بهجت من بين ٧٦ شهيداً.
تعتبر مجزرة التون كوبري حلقة أُضيفت الى سلسلة حلقات المذابح التي تعرض لها التركمان في العراق على مر التاريخ ومنذ عام ۱٩٢٤. لقد نالت هذه المدينة الباسلة التي قدمت العديد من الشهداء في كافة جبهات الحروب التي خاضها العراق سواءً ضد العدوان الصهيوني أو في الحرب الايرانية - العراقية أو في حرب الخليج ، نالت نصيبها مثل بقية المناطق التركمانية في العراق من غشم وغدر النظام الصدامي البائد وانتهاكاته لابسط حقوق الانسان ألا وهو حق العيش.
ان التون كوبري كلمة تركية مركبة من (التون - الذهب) و(كوبري - الجسر) ومعناها الجسر الذهبي. ولا نريد هنا التطرق الى اسباب تسميتها بهذا الاسم فهو بحث آخر تطرق اليه الكثيرون من الباحثين والمؤرخين من عربٍ واتراكٍ واجانب من أمثال الاستاذ المؤرخ عبدالرزاق الحسني ويعقوب سركيس والاستاذ المحامي عباس العزاوي ومن اقدم الكتبة العرب الذين ذكروها هو عبدالله بن فتح الله الغياثي الى جانب المؤرخ التركي رستم باشا والاستاذ فاروق سومر والفارسي شرف الدين علي اليزدي والمؤرخ البرتغالي أفسو والمؤرخ هوفمان وكذلك المستشرق الدانماركي نيبور وغيرهم من الكتّاب والمؤرخين الذين ذكروا ورود اسم هذه المدينة في القرن الرابع والخامس عشر. مما يدل ذلك على عراقتها ومدى اهميتها التاريخية التي لم يتوصل احد لحد الان الى تاريخ تأسيسها.
انني لست بصدد البحث عن تاريخ هذه المدينة ولكنني اردت ان أسرد امام انظار القارئ العزيز إلمامة بسيطة عن مدى اهتمام المؤرخين بها اثباتاً مني لإدعائي بمعرفة التاريخ لهذه المدينة التركمانية في شمال العراق. إلا ان النظام العراقي البائد تجاهلها ولم يعرف قيمتها التاريخية وتجاهل صمودها امام العصاة المتمردين ومواقفها المساندة للحكومة المركزية في كافة العهود رغم كل السلبيات التي واجهتها إدارياً. حتى لدى وقوع المجزرة الشنيعة التي كانت قرارات مجلس قيادة الثورة تلعب بها آنذاك كالكرة بين محافظتين شماليتين ، كركوك وأربيل فتارة تربطها بهذه وتارة بالاخرى.
لقد كانت الفوضى تعم البلاد بعد حرب الخليج فهناك انتفاضة واشتباكات في الجنوب واخرى في الشمال بالقرب من مدينة كركوك. وبينما كانت الاشتباكات مستمرة في ضواحي كركوك ، فوجئ السكان التركمان في المدينة بانسحاب الجيش وكافة المسؤولين الرفيعي المستوى منها بتاريخ ۱٨ مارس/آذار ۱٩٩۱ سانحاً المجال لقوات البيشمركة في الدخول الى المدينة. فدخلتها ومكثت فيها فترة اسبوعٍ قلبت المدينة رأساً على عقب. ثم عادت قوات الحرس الجمهوري وهاجمت بتاريخ السادس والعشرين من الشهر نفسه قضاء طوزخورماتو ومن بعده ناحية تازة خورماتو جنوب كركوك بمدفعيتها الثقيلة ووحداتها المدرعة. فدخلتها قوات الحرس الجمهوري بعد إنسحاب قوات البيشمركة من المدينة. وفي اليوم السابع والعشرين من مارس أكملت مالم يُكتمل من سلبٍ وقتلٍ واعتداءٍ واعتقالٍ وكأنَّ الذنب في كل ذلك يعود لاهالي المدينة.
وفي يوم ٢٨ مارس/آذار ۱٩٩۱ دخل الجيش ناحية التون كوبري والحقد يملءُ قلبه. واخذ يعتقل كل من يراه وينتهك حرمة المنازل ليعتقل من فيها من الرجال مهما بلغت اعمارهم صغاراً كانوا أم كباراً بحجة الاستماع الى إفاداتهم حول الاحداث. وكانت الساعة توشك ساعة الافطار من احدى ايام شهر رمضان المبارك. ورغم رجاء اغلب العوائل في المساعدة لهم حتى الافطار إلا ان المسؤولين لم يسمحوا بذلك. ولم يتمكن ذوي المعتقلين من الحصول على اية معلومات او اخبار عن حالة المعتقلين إلا بعد مضيء ۱٥ يوماً على عيد الفطر المبارك ، وذلك عندما عُثر على جثث جماعية مرمية واحدة فوق الاخرى في حفرة بمنطقة ( قيه باشى ) بالقرب من قضاء دبس. ولم تتمكن العوائل من تشخيص جثث ذويهم التي كانت مرمية بالرصاص إلا عن طريق ملابسهم التي كانوا يرتدونها. وكأن ذلك لم يكن كافياً ولم يشفِ غليل النظام الحاقد على الشعب فمثلما لم تتحمل الجهات الرسمية مسؤولية الحادث، اعلنت المقتولين عصاةً. ولدى مراجعة عوائلهم للجهات المسؤولة جوبهوا بعرضٍ عجيب وغريب ، فقد عرض عليهم المسؤولون انه في حالة تقديمهم إفادات مُحلّفة تفيد بان اقاربهم المتوفيين قد قتلوا من قبل الغوغائيين الاكراد فإن الحكومة ستعتبر المقتولين من الشهداء! ولما لم يقدم احد من ذوي المقتولين بإفادةٍ كاذبة من هذا القبيل ، أمرت الحكومة بدفنهم في حي الصلاحية بالتون كوبري ولم تسمح لاقامة عزاء لهم في اي دار من الدور.
لقد عمدت الادارات العراقية على هضم حقوق القومية التركمانية وعلى مر السنين رغم معرفتها باخلاصهم لكافة الحكومات ولتربة هذا الوطن على الاخص ، إلا ان حقداً دفيناً نجهلُ سببه تجاه التركمان مازال مستمراً يستلب كافة حقوقهم المشروعة في العراق حتى بعد زوال النظام الصدامي الغاشم.