رحم الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (أعدمه نظام الطاغية الذليل في ٩ نيسان ١٩٨۰) ، فلقد سمعته مرة يقول، وهو يتحدث إلى مجموعة من الشباب الجامعي ــ كنت من بينهم ــ تكدسوا في غرفته المتواضعة ، في منزله البسيط ، في أحد أحياء مدينة النجف الاشرف القديمة ، معلقا على تاريخ الصراع الطويل الممتد عبر العصور، بين الحق ورجاله ، من جانب ، والباطل وأزلامه ، من جانب ثان ، سمعته يقول: (إذا جاءتنا سلطة هارون الرشيد ، ولم نفعل بالإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) ما فعله به الرشيد ، عندها فقط سنعرف أننا من رجال الحق ، وليس من أعوان الباطل ، فالأدعياء كثيرون ، أضاف الصدر ، أما الصادقين فقليلون ، إنهم نادرون) قالها بألم وحسرة ، وكأنه ينظر إلى المستقبل ، ويقرأ القادم من بعيد.
وأضاف يقول: (لا تنخدعوا بما يقوله الرجل ، عندما يكون خال الوفاض من السلطة ، أية سلطة ، بل انظروا إلى ما سيفعله عندما تصل إليه سلطة ما ، فقيمة المرء بأعماله وليس بأقواله ، وبأفعاله وليس بادعاءاته ، وان حقيقة معدن الإنسان ، تظهر عندما يتعرض للامتحان والتحدي ، وليس في زمن الاسترخاء).
وتمر الأيام ، لتأت بعض سلطة الرشيد ، إلى عدد ممن يدعي أنه من تلامذة الصدر ، فكانت البداية أنهم اظهروا تهالكا على السلطة لم يسبق له نظير حتى من متدين عادي ، أما النهاية ، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون ، فتوقيعهم على ما سينتهي برجال الحق ما أصابهم أيام هارون الرشيد ، من ظلم وقمع ونفي ومطاردة وتكميم للأفواه ومصادرة للحقوق ، ليس باسم الدين هذه المرة ، وإنما باسم الديمقراطية.
هذا البعض الذي ظل ، وعلى مدى ربع قرن ، يتاجر باسم الصدر وفكره ودمه الطاهر وقضيته وكتبه وانتمائه ــ هكذا كان يدعي ــ فأصم آذان مستمعيه بخطبه الرنانة ، عن أفكار الصدر ، وملأ صفحات وسائل الإعلام بالمقالات الطويلة والعريضة ، التي كان يزينها بفقرات مقتبسة من رؤى الصدر في موضوعة خلافة الإنسان وآراءه في الدستور من وجهة نظر الإسلام ، وما إلى ذلك ، وقاد حروبا ضد هذا الفريق وذاك المرجع وذلك التنظيم تحت شعار (من ليس معنا ، فهو علينا) فأطلق النار على كل من لم يحمل اسم الصدر ، وتوسل بسياسة التسقيط للقضاء على منافسيه ، بحجة أنهم لا ينتمون إلى خط الصدر ، وسعى لإقصاء من يختلف معه في رأي أو فكرة ، بحجة أنه لا ينتمي إلى مدرسة الصدر، التي كانت بالنسبة له ن الميزان الذي يزن فيه الحق والباطل ، والأساس الذي يبني عليه علاقاته مع الآخر ، وكان كل الظن أنه ، سيدعو إلى تشييد (المدرسة الإسلامية) التي تبناها ونظر لها الشهيد الصدر في كتبه القيمة ، لحظة أن يحصل على بعض القدرة والسلطة التي تمكنه من ذلك ، وإذا به يخون الصدر ومدرسته ، والأمة وأهدافها ، والشهداء ودماءهم ، وليتبين للجميع ، أنه لم يكن ليختلف عن كل الأدعياء الآخرين ، مهما اختلفت الأسماء والأزياء والرسوم والألوان والشعارات ، لأنه ، وببساطة، (عند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان) ، كما تقول الحكمة الراقية.
إنه لم يكن أكثر من تاجر ، ليس بالنفط وعلب السردين وملابس الجينز ، وإنما بدماء الشهداء وسمعة المرجعيات وقيم الفقهاء وأسماء القادة ، وبالتاريخ الغابر الذي لم يعد يشفع لأحد ، ما لم يكن حاضره نزيها ، لأن قيمة المرء تقاس بيومه وليس بتاريخه ، وبما ينجزه وليس بما يقوله أو بما فعله في الماضي ، وتلك هي أسوا التجارة وأعظم الخيانة.
ولذلك ، جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص): (أعظم الخيانة ، خيانة الأمة ).
فلماذا يا ترى ، أن أعظم الخيانة ، هي خيانة الأمة؟ وما هي صفات الخائن لأمته؟ ولماذا يخونها؟ وكيف؟.
أولا: لأن هذا النوع من الخيانة ، تظل آثارها المدمرة تنتقل من جيل إلى جيل بمرور الزمن ، فلا تصيب فردا بعينه أو جيلا واحدا ــ هو الذي يشهد الخيانة ــ فحسب ، وإنما ستصاب بها عدة أجيال متعاقبة ، وبقراءة سريعة للتاريخ ، نلاحظ أن هذا النوع من الخيانات ، هو بالفعل الأخطر من بين كل الأنواع الأخرى.
حتى مع موت الخائن للأمة واندثار جسده في التراب ، إلا أن آثار خيانته تبقى تؤثر في الأجيال ، أثر الميت في الحي ، وأثر الرائحة النتنة في العطور الفواحة ، فهل ترى ما هو أسوأ من هذه الخيانة؟.
إن خيانة الأمة ، مصادرة باطلة لحقوق أجيال متعاقبة ، وأنها مصادرة الأموات لحياة الأحياء ، ومصادرة جيل سينقضي وينقرض ويقبر، إن عاجلا أم آجلا ، لحياة أجيال ستولد في المستقبل لترى أنها محكومة ، ظلما وعدوانا وبغير وجه حق ، بسقوف واطئة بناها أموات من الكونكريت المسلح ، ما يحول بينها وبين التمتع بحقوقها المتوالدة ، في الزمن المتجدد ، وفي حياتها الجديدة.
ثانيا: ومن صفات الخائن لأمته ، أنه ضيق الأفق ، فعندما يتخذ قرارا ، لا ينظر إلى أبعد من أنفه ، ولا يتحسس إلا حيث موطئ قدميه ، ولا يضع أمام عينيه إلا مصالحه الخاصة ، فينسى أنه بالخيانة ، يدمر أمة ويحطم آمال ويسحق حقوق ، طالما ناضل الأحرار والشرفاء من أجل انتزاعها والحصول عليها لتتمتع بها الأجيال القادمة.
لا أدري كيف يجيز الخائن لنفسه ، أن يكبر على حساب دماء الشهداء؟ ويتسلق السلطة على أكوام رفات الأبرياء؟ وينهض بالإتكاء على آهات وأنين وحسرات ألأرامل والأيتام؟.
أجزم أنه لم يعثر على عظمة واحدة تعود لأحد أفراد عائلته أو أقربائه أو حتى عشيرته ، في مقبرة جماعية واحدة من المقابر الكثيرة التي لا زال يكتشفها العراقيون في مختلف مناطق العراق منذ سقوط الطاغية الذليل ، ولذلك لم يعر أي اهتمام لكل التضحيات ، ولم يعط بالا لأنهار الدم التي امتدت من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب ، لتحفر نهرا ثالثا إلى جانب نهري دجلة والفرات. ولكن ، أو ليس في نفسه بقية من دين أو أخلاق أو مروءة أو حتى غيرة ، ليكف عن هرائه وتصفيقه لنفسه ، ولما أنجزه من خيانة للأمة ، سيلعنه عليها التاريخ والأجيال المتعاقبة ، إذا ما مرت من دون تصحيح؟.
لا أدري ، ربما يظن أن من الممكن أن يحول النكسة إلى نهوض ، والفشل إلى نجاح ، والهزيمة إلى انتصار ، لو ملأ الجو صراخا وعويلا ، أو، لو أنه ملأ الشاشة الصغيرة بصوره وبلقطات إستعراضية عنترية تشمئز منها نفس العاقل.
أو ربما يظن بأن الناس سيغفرون له خيانته ، إذا ملأ الدنيا صخبا في محاولة منه لركوب الموج والميل مع الناس ، كلما رأى موقفا شعبيا ضد ما أنجره ، في محاولة منه للهرب من المسؤولية.
ثالثا: فلماذا الخيانة إذن؟.
لأنه لا يرى إلا السلطة التي همه أن يصل إليها بأي شكل من الأشكال ، وليذهب الدين والقيم والمبادئ والتاريخ والتضحيات وكل شئ ، فداءا لسلطته ، إذا كانت هي التي ستعبد له الطريق ، للوصول إليها.
ولأنه ضعيف مستضعف أمام الآخرين ، أعداءا أو منافسين لا فرق ، لذلك لا يقدر على التحدي ، ولا يصبر على الزمن ، ولا يطيق تحمل سياسة عظ الأصابع إلى أمد غير محدود ، فلا بد إذن أن يصرخ ، ولأنه لا يريد الصراخ ، حتى لا يكتشف الناس هزيمته ، لذلك تراه يضغط على مراكز القوى الحقيقية ، للتنازل عن رصيد الأمة لتوضيفه في خدمته ، لأنه لا يمتلك ، في الأساس ، أي رصيد شخصي يمكنه الاعتماد عليه في لعبة السياسة والسلطة.
والأسوأ ، أنه لا يعرف كيف يدير اللعبة ، فتراه ينجز ما يمكن به أعداءه أو خصومه ، لا فرق ، من ابتزازه ، ولأنه لا يملك ما يمكن أن يخسره ، لذلك يلجأ إلى المخزون الاحتياطي ، ليقدمه ثمنا لخياناته.
إنه لا يعترف بخطأ يرتكبه ، ولذلك فليس له فضيلة واحدة.
يظن أن الثرثرة تساعده على تصحيح الخطأ ، من خلال خلط الحابل بالنابل ، كما يقولون ، ناسيا أو متناسيا بأن (إمساك اللسان يصرف الخطأ) كما تقول الحكمة.
تراه يستحضر كل تجاربه ، ويستعرض كامل قوته ، إذا واجهه صديق بحقيقة ما ، ولكنه لا ينبس ببنت شفة ، ويصمت صمت أهل القبور ، وينسى كل شئ ، لدرجة الانبطاح ، إذا واجهه الخصم ، خاصة إذا شعر بأنه المنفذ المفترض للوصول إلى السلطة.
إنه يحاول أن يبرر خيانته بشتى السبل وبكل الطرق ، مسخرا البيان اللطيف والكلام الجميل والحجج والبراهين ، ولكن من دون نتيجة ، فإن من خان قبله ، كان يبرر ، كذلك ، ما يقدم عليه.
إن الموقع مسؤولية ، والمسؤولية أمانة ، ولقد أمرنا الله تعالى أن نؤدي الأمانات إلى أهلها ، أما الخائن ، فليس في ذهنه شئ من هذا الفهم ، لأن السلطة أعمت عينيه ، وأغلقت على فكره ، وأصمت أذنيه ، فهو لا يرى إلا السلطة ، مهما كانت حقيرة المحتوى ، قصيرة الأمد.
إن من لا يجد في نفسه القدرة على صيانة الأمانة ، فلماذا لا يعيدها إلى أهلها، ويسلمها إلى من يجد في نفسه القدرة على صيانتها واحترامها والحفاظ عليها من السرقة أو القتل؟.
إن تعرض الخائن إلى الضغط أو الترغيب والترهيب ، لا يبرر فعلته ، فإذا كان المرء مجبورا على خيانة ما يخصه ، وما يجوز التصرف به ، فإنه ليس مجبورا على خيانة ما لم يخصه ، أو ما يخص الأمة بالكامل ، وما لم يفوضه احد بالتصرف به ، إذ أن هناك أكثر من فرصة لإعادة الأمانة إلى من هو أكفأ منه وأقوى وأجرأ وأشجع ، على الاحتفاظ بها وانتزاع الحقوق.
لطالما دعا العراقيون ، الطاغية الذليل إلى الاستقالة ، كلما أقدم على خيانة ، فلماذا لا يستقيل من خان الأمة ، وهو بعد في بداية الطريق؟.
إن الخائن لأمته ، لا يصغ إلى نداءات العقل والمنطق ، بل يحاول دائما أن يفرض خياناته على الأمة ، بأي شكل من الأشكال.
إذا وجد نفسه يغرق في خيانته ، يحاول فورا جر الأمة وراءه ، على طريقة الطاغية الذليل ، الذي كان شعاره المفضل دائما: (علي وعلى … أمتي) لأنه يعتقد أنها (لو عمت هانت) ، لماذا؟ لأن الخائن يرفض أن يكون الضحية المحتملة من أجل إنقاذ ما تبقى ، فيسعى إلى تحطيم كل السدود الأخرى التي من الممكن أن تلعب دورا تصحيحيا للمسار المنحرف.
ولو تخيل الخائن بأنه سيموت صبيحة الغد ، ترى أين سيكون مصيره؟ بالتأكيد ليس في صفحة بيضاء من صفحات التاريخ المشرق ، وإنما في مزبلة من مزابل التاريخ ، التي تنتظر المتهالكين والخائنين والمغفلين ، من أمثاله ، لتقبرهم ، وهي تصرخ وتنادي ، هل من مزيد؟.