ما أن يسعى الباحث إلى إطلاق أحكام قيمية على التركيبة السكانية والإثنية لمدينة كركوك حتى يجد نفسه أسير مفارقة جديّة ذات طبيعة مركبة، ذلك أن تركيبة المدينة هذه غامضة ودقيقة في آن معاً; فهي غامضة لصعوبة العثور على معطيات رقمية موثوقة تساعد على سبر مكنونات هذه التركيبة واستخلاص نتائج هي ذاتها بحاجة إلى مزيد من التحديد. وهي دقيقة، لأنه يصعب على الباحث أن يتصدى لهذا الموضوع بتشابكاته وتعقيداته أن لا يخضع كذلك للتضليل، وإن بنسب متفاوتة.
يصيب أحد الباحثين القول: «إن أي تحديد لمدلولات التركيبة الجغرافية والإثنية لمدينة كركوك هو تحديد اعتباطي إلى حد كبير»، لذلك لا يفاجأ المرء إذا ما واجهه سيل من الإجابات الجاهزة. وفي الواقع، فقد طبع كركوك تاريخياً صدام بين هويات ثلاث متنافسة كل واحدة منها تحمل مفهوماً جغرافياً وديمغرافياً يختلف جذرياً عن الأخرى. الأولى هي الهوية الكردية والثانية هي الهوية «المركزية العروبية»، أما الثالثة في بالطبع التركمانية.
فلنكتف فقط بالقول إننا إن تبنينا هذه الهوية أو تلك فإننا لا نحملها أي مغزى سياسي أو إيديولوجي، بل دلالة جغرافية - ديمغرافية شبه مجردة.
ومهما يكن من أمر، فإن السعي إلى تبيان الصورة الحالية لجغرافية مدينة كركوك وديمغرافيتها يستوجب مزيداً من التوصيف لرصد التبدلات النوعية في التركيبة السكانية التي طرأت في الحقبة الماضية ومن ثم تعيين العمق الزمني الماضي كمنطلق أو أساس للمقارنة المستقبلية.
السؤال الجوهري هو: ما هي المظاهر المميزة للتركيب السكاني والإثني في مدينة كركوك؟ يصعب إعطاء إجابة مباشرة ودقيقة عن هذا السؤال. فالمعطيات الخاصة بهذا الشأن تبقى موضوع جدل كبير بين الأطراف المتنازعة.
إذا ما حاولنا أن نتجنب «لعبة المرايا»، لا بد من الإقرار بحقيقة تاريخية وهي أن غالبية سكان المدينة هم من التركمان الذين كانت لهم الغلبة في الهيمنة اقتصادياً على الأقل على مقدرات المدينة. إلا أن موجة الانتقال إلى كركوك نمت «كالفطر بعد مطر الشتاء» خصوصاً في ضوء بدء شركة نفط العراق عملها في الحقول النفطية المكتشفة حديثاً وما صاحبها من تزايد فرص العمل فيها.
هذه الظاهرة لم تكن مقتصرة على مدينة كركوك لوحدها فحسب، بل المدن العراقية الأخرى أيضاً. وعلى سبيل المثال شهدت بغداد نمو في عدد السكان بين عامي ١٩١٤ و١٩٧٥ نحو ٢٥ مرة وسكان البصرة نحو ٣٤ مرة.
وفي هذه الحالة كذلك تعزى هذه الظاهرة إلى عدد من العوامل لعل من بينها، النمو الاقتصادي في المدن - المراكز والارتباط المتزايد بين معيشة العائلات والسياسات الحكومية، سواء من خلال نمو أجهزة الدولة المختلفة أو من خلال حركة التأميمات، ومنها أيضاً أمل الحياة في المدن حيث أسباب الصحة أكثر توفراً منها في الريف.
وينطبق هذا التطور طبعاً على مدينة كركوك، فالطفرة الكبرى للهجرة الكردية التي حدثت على الأرجح في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات كانت هجرة لأفراد العشائر الكردية المحيطة بالمدينة، كعشائر جباري وزه نكنه وكاه يي والجاف وهموند وطالباني وشوان وغيرها، في وقت كانت السلطة السياسية بصورة محددة في اتجاه غلبة عناصر غير مدينية أو على الأقل غريبة عن المدن الكبرى الأخرى، بما فيها مدينة كركوك.
وبالطبع أدى هذا التدفق الكردي على المدينة إلى ظهور أحياء جديدة في المدينة بالترافق مع توسع الأحياء التقليدية لسكن الأكراد مثل حي الإمام قاسم ورحيم آوى والشورجة، إضافة إلى تغلغل ديمغرافي كردي محسوس في أحياء أخرى من المدينة. وطبقاً للإحصاء السكاني للعام ١٩٥٧ فإن نسبة الأكراد في المدينة كانت ٤٨. ٣٪ من إجمالي السكان، وهو الإحصاء الذي اتفق عليه الطرفان الكردي والحكومي وفق بيان مارس (آذار) ١٩٧٠ للحكم الذاتي، بينما انخفضت هذه النسبة إلى ٣٧. ٣٪ في إحصاء العام ١٩٧٧، وفي المقابل ازدادت نسبة الفئات من أصول عربية من ٢٨. ٢٪ في إحصاء العام ١٩٥٧ إلى ٤٤. ٤٪ في إحصاء العام ١٩٧٧، بينما تراجعت نسبة التركمان من ٢١. ٥٪ في إحصاء ١٩٥٧ إلى ١٦. ٣٪ في إحصاء ١٩٧٧.
من السهل ملاحظة نمو مميز جداً للفئات التي تنحدر من أصول عربية في المدينة بالمقارنة مع الفئات القومية الأخرى. وهذا النمو يشير طبعاً إلى علاقة جدلية ما بين هذا النمو من جهة، وطبيعة توجهات السلطة السياسية المركزية في بغداد من جهة أخرى، فقد كان من الواضح أن سلطة البعث لم تكن مستعدة لدمج كركوك في منطقة الحكم الذاتي الكردية نظراً لغناها بالنفط ولتركيبتها السكانية، بل عملت جاهدة لـ«تعريب» هذه المدينة بكل الوسائل المتاحة، بما فيها اتباع سياسة التطهير العرقي.
ما نلتقطه مما سبق هو في الأساس تعقيد المسار التاريخي للتركيبة السكانية والإثنية المتنوعة لمدينة كركوك وصعوبة الأمثولات المتناقضة التي يدعيها اليوم كل طرف وفقاً للأهواء المحلية التي تعصف به.
ولن يحسم هذا الجدل طبعاً بمجرد أن الأطياف المختلفة التي تتألف منها المدينة ارتضت لنفسها البحث عن «حلول وسط»، ولكننا نشير فقط إلى استمراره حاداً حيناً بل دموياً في أحيان أخرى. ربما لا يقرأ المعنيون التاريخ، وربما يحاولون قراءته ويختارون منه ما يشاؤون وفقاً لأهوائهم، ولكن إن فعلوا فلن يساعدهم المؤرخون كثيراً على التوافق، إن كانت رغبتهم في التوافق في الأساس هشة. فلنأخذ أمثلة ونحاول الاستعانة بالمؤرخين لمعالجته، فنراهم منقسمين هم أيضاً وفي كلامهم التأرجح نفسه.
وعلى سبيل المثال، يقع حنا بطاطو في هذا التأرجح، فهو يبدأ بالقول إن مدينة كركوك كانت تركمانية، ما عدا قلة من العائلات الكردية المتناثرة في الأحياء الخارجية للمدينة، لكن بطاطو يعود ليؤكد في مكان آخر على أن جميع الآبار النفطية التي اكتشفت تقع في أراضي أصحابها من الأكراد، بما فيها حقل بابا كركر الذي تعود ملكيته إلى عائلة السيد أحمد الخانقا الكردية.
أما الأكراد فإنهم يتهمون السلطات العراقية المتعاقبة بتنفيذ سياسة «التعريب» التي استهدفت تغيير الواقع القومي للمدينة، ويشددون على القول بأن لا غبار على كردية مدينة كركوك، باعتبارها حسب تصريح لنوشيروان مصطفى «تقع ضمن جغرافية كردستان على مر التاريخ». ويشدد القول إنه «حتى في العهد العثماني كانت كركوك مركز ولاية شهرزور، وكان مقر الوالي العثماني على الدوام هو كركوك، إلى حين فترة الإصلاحات الإدارية».
في المقابل، يشدد التركمان على وجودهم التاريخي في هذه المنطقة، وكانوا يشكلون غالبية سكان المدينة، فيما يقرون بأن «الأكراد ليسوا سوى قادمين جدد». كما يشيرون إلى سياسة التطهير العرقي التي استهدفتهم ويستندون في دعواهم هذه على تقرير در شتوئيل المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الذي أشار فيه إلى أن نحو ٢٥ ألف عائلة تركمانية شيعية هجرت من كركوك، وقيام سلطة البعث بتغيير أسماء عشرات القرى والنواحي التركمانية وإضفاء أسماء عربية عليها، إضافة إلى فصل منطقتين إداريتين تركمانيتين كبيرتين عن جسم كركوك هما طوز خورماتو وكفري في إطار تغيير مقصود للحدود الإدارية للمدينة.
وفي إطار «لعبة المرايا» ذاتها، هناك ادعاءات تاريخية أخرى لفئات كلدانية وآشورية على أحقيتهم في هذه المدينة، ولا يعدمون الحجج التي يسوقونها في هذا المضمار لتأكيد هذه الشرعية.
هذا الخلاف المستعر أبداً حول كركوك يثير عدداً من الأسئلة: هل كركوك المعاصرة هي استمرار جغرافي لكردستان العراق كما يدّعي بعض الغلاة الأكراد؟ أو هو كيان أوجدت تركيبته السكانية إرادة الدولة المركزية ووضعت حدوده الإدارية؟ ولا شك في أن الذين يعرفون مشكلة كركوك يقدرون خطورة هذه الأسئلة ليس في منتديات المؤرخين فحسب، بل في متاريس أي حرب أهلية قادمة.