جود وانسكي" كان يشغل منصب مساعد رئيس تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية الشهيرة، وعمل بعدها مستشاراً إقتصادياً للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان. بعد
ذلك، ولحد الآن، ترأس شركة إستشارات إقتصادية/سياسية خاصة تتمتع بموقع متميز وذلك لما له من خبرة إقتصادية وسياسية جعلته متفوقاً على الكثيرين من أقرانه العاملين في هذا المجال.
ولكون "وانسكي" إستمر بالكتابة عن قضايا الساعة الساخنة، فقد كانت إهتماماته بما كتب ويكتب عن حلبجة تؤرقه لما في الموضوع من فجوات لم يجد الإجابة عليها في ذلك الحين رغم كل ما إطلع عليه مما نشر حول الموضوع. وطيلة حوالي ثلاثة أعوام من البحث والتمحيص إستخدم "وانسكي" المعلومات التي توصل إليها في كتابة عدة مقالات أدهشت محتوياتها كل الساسة ورجال الإعلام الأمريكان وحتى مسؤولي البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، ذلك لأن المعلومات الموثقة التي نشرها "وانسكي" لا يمكن لأحد إلا أن يعترف بصدقيتها وحقيقة وقوعها.
في عام ۱٩٩٣ تأسست في تل أبيب منظمة صهيونية بإسم "جامعة الصداقة الكردية الإسرائيلية" التي يرأسها الصهيوني اليهودي الكردي (أصلاً من مدينة زاخو العراقية) "موتي زاكن"، والذي عمل ولا زال يعمل مع اللوبي الصهيوني الأمريكي. إنتهى الأمر في عام ۱٩٩٦ إلى تشكيل مؤسسة في واشنطن تحمل إسم "معهد واشنطن للأكراد" والذي أسسه، بمساعدة مالية وإشراف من الموساد، الصهيوني المعروف "موريس أميتاي". والصهيوني "أميتاي" هذا هو مشرّع قديم في الكونجرس الأمريكي و عضو اللوبي للجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية المؤثرة ومستشار لمركز "فرانك جافني" للسياسة الأمنية و نائب الرئيس السابق للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (مؤسسة صهيونية في الولايات المتحدة تتولى الدفاع عن حزب الليكود وتتخصص في التعاون المشترك بين كبار ضباط الجيش الأمريكي ونظرائهم في القوات المسلحة الإسرائيلية). ومن أعضاء المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي المعروفين هم كل من ديك تشيني (نائب الرئيس الأمريكي حالياً)، جون بولتون، دوغلاس فيث و ريتشارد بيرل. كما أن "أميتاي" أيضًا عضو مهم في الجناح المؤيد لنزعة المحافظين الجدد الذين يدافعون عن التدخل الأمريكي الواسع والمباشر في الشرق الأوسط. ويشرف على "معهد واشنطن للأكراد" مجموعة من الأكراد المعروفين بإتصالاتهم وولائهم للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية أمثال د. نجم الدين كريم (رئيس المعهد الحالي)، عمر حلمت، د. عثمان بابان، د. أسعد خيلاني، د. كندال نيزان، د. إسفنديار شكري و د. محمد خوشناو
لم يعد من الأهمية نفي أو تأكيد العلاقات الاسرائيلية الكردية فهذه العلاقة موجودة منذ أكثر من نصف قرن وطوال هذه المدة شهدت هذه العلاقة هبوطا وصعودا تبعا لعلاقات الأكراد ببغداد ومن يريد معرفة تفاصيل هذه العلاقة يمكنه الرجوع الى كتاب (الموساد في العراق. . انهيار الآمال الاسرائيلية والكردية لمؤلفه شلومو نكديمون الصادر عن دار الجليل ١٩٩٧) وكذلك كتاب (أمة في شقاق. . دروب كردستان كما سلكتها لمؤلفه الصحفي الأميركي جوناثان راندل) ففي الكتابين هناك من الوقائع والتواريخ والأحداث والزيارات.
والصور وما يكفي لوضع حد للجدل الدائر حول وجود هذه العلاقة أو انكارها، وعليه أرى ان المهم البحث عن أسباب هذه العلاقة وأبعادها ودوافعها، والسؤال هنا ماذا تريد اسرائيل من وراء علاقتها بأكراد العراق؟ وفي المقابل ما الذي يدفع الأكراد الى اقامة علاقات باسرائيل في الوقت الذي يدركون فيه ان مثل هذه العلاقة ستجلب لهم المزيد من المشكلات من الدول العربية والاسلامية؟ وكي لا نبقى في طرح الأسئلة فانه من الأهمية التوقف عند ردود بعض الكتاب الأكراد والعرب وطريقة تناولهم لموضوع العلاقات الاسرائيلية الكردية ولنبدأ من الردود الكردية والتي اختصرها بما يلي:
١ ـ قسم منهم يقول انه لا مشكلة على الاطلاق في اقامة علاقة كردية ـ اسرائيلية طالما ان مثل هذه العلاقة تخدم الآمال الكردية وتدعم حقوقهم القومية سواء في اطار العراق الموحد أو خارجه حتى لو استفادت اسرائيل من هذه العلاقة لصالح مخططاتها الخاصة تجاه المنطقة.
٢ ـ قسم آخر يقول: انه لا يمكن ان نكون عربا أكثر من العرب أنفسهم في مسألة الاعتراف باسرائيل واقامة علاقاتها معها، وهؤلاء يقولون هل يعقل ان تكون هناك علاقات رسمية وسفارات بين عدد من الدول العربية واسرائيل في وقت يراد حرمان الأكراد من العلاقة مع اسرائيل.
٣ ـ قسم ثالث يقول ان هناك تضخيم للمعلومات حول العلاقات الاسرائيلية الكردية وذلك بهدف تأليب الدول الاقليمية في المنطقة على الأكراد، وهؤلاء يقولون ان مصدر معلومات هيرش كان وزير الخارجية التركي عبد الله غول (أشار هيرش في مقالته الى مصادر تركية) وذلك بهدف جلب المزيد من الضغط على أكراد العراق لأسباب تتعلق بالمخاوف التركية العميقة من انعكاس الوضع الكردي في العراق على المشكلة الكردية في تركيا، ويتساءل هؤلاء كيف لتركيا التي تقيم علاقات أمنية وعسكرية متطورة مع اسرائيل.
(وصلت الى حد السماح للطائرات الاسرائيلية باستخدام الأجواء التركية القريبة من سوريا وايران والعراق ومن ثم التعاون في مسألة القبض على الزعيم الكردي التركي عبد الله أوجلان) ان تثير حملة قوية ضد الأكراد بسبب هذا الموضوع في الوقت الذي تشهد فيه علاقات أكراد العراق ببغداد عهدا من الايجابية والتفاهم السياسي؟
٤ ـ قسم رابع يقول ان مسألة تغلغل الموساد في منطقة كردستان العراق هي تفصيل بسيط في اطار تغلغل الموساد ليس في العراق ككل، بل في مجمل دول منطقة الشرق الأوسط الى درجة أننا في كل يوم نسمع عن اكتشاف شبكة أنشأتها الموساد في هذه الدولة أو تلك، وبالتالي لا يمكن ان تكون منطقة كردستان العراق استثناء من هذه القاعدة.
وهؤلاء يقولون ان لا صحة للمعلومات التي تقول ان الموساد جعلت من منطقة كردستان العراق قاعدة للتجسس على دول المنطقة طالما ان شبكات الموساد موجودة في هذه الدول، وهؤلاء يتساءلون أيضا هل يعقل ان تقوم أجهزة الموساد بالتعاون مع أكراد العراق في تركيب أجهزة لتجسس على المفاعلات النووية الايرانية (هذا ما ورد في مقالة هيرش) في الوقت الذي تبلغ المسافة بين أقرب موقع للمفاعل النووية الايرانية ومنطقة كردستان العراق قرابة ١٥٠٠ كيلومتر؟ ويضيفون أليس لدى الموساد طريقة أفضل من هذا؟
اذا كانت الردود الكردية تراوحت بين تأكيد البعض على حق اقامة علاقات مع اسرائيل دون أي اعتبار وبين محاولات تبرير البعض للعلاقة ووضعها في اطار سياق عام يجري في المنطقة وبين من يقول ان هناك وراء ذلك جهات تريد الاساءة الى الأكراد وعلاقاتهم بالعرب في اطار عراق مرحلة ما بعد صدام حسين، فان الردود العربية تراوحت بين القلق والخوف وبين النظر الى المسألة من زاوية الأولوية القومية، ولعل من أبرز هذه الردود:
١ ـ قسم اعتبر ان العلاقة الاسرائيلية ـ الكردية تشكل خيانة من قبل الأكراد، وذهب هؤلاء الى حد تشبيه كردستان باسرائيل ثانية في الوطن العربي.
٢ ـ البعض اعتبر ان اقامة بعض الدول العربية علاقات مع اسرائيل لا تبرر لأكراد العراق اقامة علاقات مع اسرائيل خاصة وان الأكراد هم جزء من تركيبة العراق ولا يشكلون كيانا مستقلا له الحق في اقامة علاقات خاصة بمعزل عن العراق ككل.
٣ ـ البعض حاول تحميل مسئولية اقامة مثل هذه العلاقة الى القيادات الكردية وتبرئة الشعب الكردي منه، مشيرا الى ان هذه القيادات دمية تحركها أميركا واسرائيل، مملحا في الوقت نفسه ان هذه القيادات ستدفع الثمن حالما تستقيم العلاقات الأميركية مع دول المنطقة مستشهدا بتجربة البارزاني الأب مع أميركا والموساد في عام ١٩٧٥.
٤ ـ قسم أرجعها الى سياسة اسرائيل تجاه الأقليات القومية والدينية في الوطن العربي وذلك في اطار السياسة التقليدية لاسرائيل والرامية الى اضعاف الدول العربية وأشغالها بالقضايا الداخلية وحتى تقسيمها بغية أبعاد طاقاتها عن معركة الصراع العربي الاسرائيلي