هناك الآن بغدادن، لا بغداد واحدة.
بغداد خضراء كالفردوس، تمتد من شمال النهر الخالد دجلة، تضم مساحات خضراء على امتداد البصر فيها قصر المقبور صدام (عفوا قصر بريمر حاليا).
كل ما فيها يذكر المرء بجنان هوليود وبذخها التي نعرفها من الأفلام الأمريكية. ساحات لكرة السلة والطائرة، صالات للفيديو ولأنواع أخرى من التسلية، مسابح وبحيرات اصطناعية، تجعل المرء يعيش بمتعة دون أن يحس بمرور الزمن، ودون أن يشعر بأن هناك موتا مجانيا يتربص خلف أسوار بغداد الخضراء بالعشرات يوميا.
خلف الأسلاك الشائكة التي تفصل هذه الجنة عن بغداد الأخرى يعيش ٤٠٠٠ جندي أمريكي.
أما بغداد الأخرى فهي عكس الأولى، ساحة حمراء، قانية الحمرة. يمرح ويرتع فيها الكلاشينكوف وكل صنوف أسلحة الموت التي تحصد الأرواح، في تناقض صارخ مع الهدوء وزقزقة العصافير في قصر صدام (عفوا قصر بريمر) حيث يرتكب كل أعمال الإجرام واللصوصية والخطف وتعذيب المعتقلين.
في هذه الطرف من بغداد، يرغم المساجين على ارتداء الملابس النسائية، وتلتقط لهم وهم عراة صور مخزية، يندى لها الجبين، يرغمون على ممارسة الجنس والعادة السرية في حضور سجانيهم الذين يعانون أساسا من كل أنواع الشذوذ النفسي والجنسي. و شيء عادي في عرف سجاني (أبو غريب) أن تسحب سجانة سكيرة بقامتها القميئة، سجينا عاريا من حبل معقود على عنقه، وان يبول جلاد على معتقل عار و. . و. . و. .
(الأمريكي القبيح) صفة أطلقت على الأمريكيين أثناء حرب فيتنام، بينما هو في الواقع اسم لفلم قديم رائع للمثل العظيم مارلون براندو، أقتبس من رواية تحمل نفس الاسم.
في هذا الفلم قام براندو بدور سفير أمريكي في إحدى دول الشرق الأقصى.
اكتسبت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية صفة (المحرر) وقوبل جنودها بالزهور والقبل من الفتيات الألمانيات والإيطاليات بعد تحريرهم ألمانيا من نازية هتلر وإيطاليا من فاشية موسوليني. آنذاك قابل الكبار الجنود الأمريكيين بالزهور و الحلوى والأطفال بابتسامات عريضة.
لكن أمريكا لم تدع العراقيين ينعمون بسقوط الطاغية ويقابلوا جنودها بالزهور والرياحين، فقد صدمتهم منذ الوهلة الأولى بتشجيعها الفوضويين واللصوص والقتلة على ممارسة الخراب والدمار، بعد قضاءها على الأمن والنظام والاستقرار .
تبدو أمريكا اليوم في العراق ومن خلال تصرفات جنودها وكأنها على وشك أن تعرض على العالم فلما جديدا يتم تصويره في بغداد الأخرى، بغداد الغارقة في الخطوط الحمر عنوانه (عودة الأمريكي القبيح).
أمريكا على ما يبدو ومن خلال سياساتها المطبقة في العراق، تريد أن يذكر العالم جنودها وهم يضعون أعواد المكانس في مؤخرات المعتقلين!
وأغرب ما في الأمر انه على الرغم من امتعاض بوش من فعلة جنوده، واعتذار كينث عنها للشعب العراقي، انفرد جلال الطالباني بالتعليق على المناظر اللاإنسانية التي أثارت استنكارا عالميا في كل مكان بقوله وبأعصاب باردة:
((. . يجب عدم تهويل الأمر كما لو أن ما حدث شيء وحشي جدا أو شيء يستدعي تغيير في السياسة)). .
يظهر أن الطالباني سيكون في مقدمة المتحمسين لمشاهدة الفلم الأمريكي الجديد (عودة الأمريكي القبيح)!