غريب أمر الحزبين الكرديين اللذين أصبحا يحاولان استغلال أي ظرف في العراق كفرصة لتحقيق مكاسب سياسية لهما، بحيث أصبح ذلك كعادة مزمنة لهما لا يستطيعان الانفكاك عنها. ورغم وجود هذين الحزبين (حزب الطالباني والبرزاني) في كرسي السلطة وتمتعهما بحصة الأسد عند تشكيل حكومة علاوي من قبل ادارة بريمر، وقبلها في مجلس الحكم المنحل، الا انهما لا يزالان يطمحان بالمزيد والمزيد وبشكل بات يثير حفيظة الذين اعتادوا على التعاطف مع القضية الكردية في السابق. فالحزبين الكرديين بات يريان مصلحتهما فوق مصلحة العراق الوطنية، وما قيامهما بارسال رسالة الى بوش اثناء اجتماع مجلس الأمن الأخير للحصول على الموافقة حول قانون (ادارة الدولة المؤقت) الا نموذج من تصرفات الحزبين الذي أثار حفيظة معظم العراقيين (ماعدا أعضاء الحكومة الانتقالية). وقد عاش الحزبان خيبة امل كبيرة جعلتهما يتخبطان لعدة أيام في اتخاذ قرار ازاء اهمال بوش ومجلس الأمن لما جاء في الرسالة المذكورة جملة وتفصيلا. واذا عرفنا ان من بين الدول التي سدت آذانها على كل ماجاء في رسالة الطالباني والبرزاني المشتركة، دولا مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وهي دول حليفة ساندت الأكراد في مختلف المراحل السياسية، أدركنا مدى فداحة خيبة الأمل الكردية في أقرب مقربيهم.
والأغرب ما حدث فيما بعد بين الوزراء الأكراد فبرهم صالح (زعل) معتكفا في السليمانية منتظرا تحديد صلاحياته كنائب لرئيس الوزراء (!) والأخت البراوري تحدثت مثل عنصر مجند في تنظيم ميليشيات وليست كوزيرة لها مسؤولياتها والتزاماتها مهددة، انها ستستقيل اذا طلب حزبها منها ذلك. متناسية ان المشاركة في حكومة ائتلافية، تعني تطبيق منهاج وبرنامج الحكومة، وليس برنامج الحزب الذي تنتمي اليه. هذا ما يحدث في جميع انحاء العالم عند تشكيل حكومة ائتلافية حيث تتفق الأحزاب المشاركة في الحكومة على البرنامج الذي يعلنه رئيس الوزراء، ويبقى الوزير يمارس مسؤلياته وصلاحياته كوزير، وليس كعضو في الحزب المشارك في الائتلاف. من اجل تشكيل الحكومة الائتلافية تتنازل الأحزاب_(في جميع الدول الديمقراطية) التي تود المشاركة في الائتلاف الحكومي عن جزء من برامجها من أجل تشكيل الحكومة، والا لولا هذا كيف يمكن أن تتوافق أحزاب يسارية وليبرالية أو دينية في داخل حكومة واحدة لكل منها برامجا الخاصة التي قد لا تتوافق في خطوطها العامة مع بعضها، لكن حينما يكون الهدف ايجاد حلول عاجلة للنهوض بمشاكل الدولة يضحي كل حزب بجزء من أفكاره ومبادئه في سبيل المصلحة الوطنية العليا.
أما عندنا فالوضع يبدو غريبا حقا، فالأكراد يريدون فرض طموحاتهم على الجميع عن طريق التهديد والوعيد بالانسحاب من الحكومة (تهديدات نيجرفان البرزاني وبرهم وبرواري) وكل هذا سيقود حكومة أياد علاوي الى منزلقات خطيرة وألغام قد تنفجر في ظل سياسة تأزيم الأمور في العراق، التي يحاول قيادة الطالباني والبرزاني اعتمادها كأسلوب لتحقيق مطامعهما ، وتحويل مجريات الأمور لصحالهما. ورغم اعلان هذه القيادة وعلى مضض انها ستستمر في الحكومة، الا أن الأوضاع معرضة الى الانفجار في أية لحظة. ان حكومة علاوي لن تستمر، وستكبو طالما استمر الوزراء الأكراد في عملهم، كأعضاء حزبيين لا كوزراء من مهامهم الاساسية اخماد النيران التي ستاتي على الجميع. وأن اسلوب الشد والارتخاء في السياسية وخلق الأزمة في كل خطوة لن يكون في صالح الأكراد كما أثبتت التجربة الأخيرة بعد خيبة امل قمة مجلس الأمن وقمة الدول الثماني.
مركب العراق يخوض غمار بحار متلاطمة، تقذفه يمنة ويسرة. يعاني ركاب المركب من الخوف والدهشة والرعب، وهم يمنون أنفسهم للوصول إلى شاطيء الأمان قبل أن يبتلع الطوفان كل شيء. ويجب أن يفهم الاخوة في قيادتي البرزاني والطالباني انهم جزء من هذا الوطن لهم ما للجميع وعليهم ما على الجميع، وهم لم يأتوا من كوكب آخر.
قد يكون احتلال العراق حقق للأكراد مكاسب اكثر من غيرهم، لكن عليهم ان يعلموا أيضا بأنهم بسبب المغالاة في مواقفهم ومحاولتهم استغلال الفترة المظلمة التي يعيشها العراق أسوء استغلال، للحصول على مكاسب على حساب المصلحة الوطنية، بدلا من أن يتخذوا مواقف وطنية يتذكرها بهم الأجيال العراقية المقبلة لتهدئة الأوضاع في العراق، فقدوا ويفقدون في كل يوم تأييد معظم العراقيين على مختلف انتماءاتهم الذين كانوا في يوم ما من اشد المدافعين عن الشعب الكردي.
استماتة قيادة البرزاني والطالباني في استغلال ظروف العراق المحترق للحصول على مكاسب قومية دون انتظار ان يستعيد الوطن عافيته، ودون انتظار اليوم الذي سيقترع فيه شعبنا على دستوره، يذكرني بمنظر مؤثر من فيلم (زوربا اليوناني) حينما يبدأ نساء القرية النائية التي تدور فيها أحداث الفيلم، بنهب بيت احدى عجائز القرية وهي في النزع الأخير، حيث تنهمك كل منهن لسرقة مافي المنزل دون أدنى اهتمام بالمرأة العجوز وهي على فراش الموت.