يوم الأحد الدامي الذي استهدف الكنائس وإخوتنا في المواطنة الإخوة المسيحيين الأعزاء، لا يمكن تبريره تحت أي تسمية. فهو اعتداء إجرامي على المقدسات يستهدف العراق وأمنه واستقراره، والمجرمون الذين يقفون خلفه هم نفس الذين اعتدوا فيما مضى على المقدسات الإسلامية والجوامع ورجال الدين.
ويخطيء المخططون لهذا المسلسل الدموي حينما يظنون أن بمقدورهم بقنابلهم وقواهم الظلامية من استهداف حالة التآخي الحقيقي التي عشناها وسنعيشها مع إخوتنا المسيحيين الأعزاء. فيندر أن يكون هناك مواطن عراقي ليس له صديق أو أصدقاء أعزاء من الاخوة المسيحيين الذين يشكلون عضد الحياة الاجتماعية في العراق على مر القرون.
ولعل الكثير من الباحثين في الشأن التركماني لا يعلمون، أن الانتماء الأصيل للتركمان إلى أرض العراق لا يتحدد بانتمائهم إلى السنة والشيعة فحسب بل أن قسما من التركمان يدينون بالمسيحية، حيث يسكن هؤلاء كركوك منذ القدم، وخاصة في منطقة القلعة التركمانية العتيدة، التي هدم بيوتها وهجر أهلها الطاغية البائد صدام كنتيجة من نتائج حملته العنصرية لتعريب كركوك.
تتفق المصادر التاريخية القليلة التي بحثت في تاريخهم، أنهم من بقايا جيش المغول الذي كان يدين قسم منه بالمسيحية. وورد عنهم في كتاب (كرد وترك وعرب) لمؤلفه سي. جي.ادموندز (ترجمة جرجيس فتح الله، منشورات جريدة التآخي، ١٩٧١) يذكر عن (مسيحيي القلعة) مايلي:
))كانت كركوك في أيام الإمبراطورية الساسانية مركزا مشهورا من مراكز النساطرة، وكرسيا لرئيس أساقفة (بيت كرمي ـ باجرمي).هذه الطائفة يمثلها اليوم (الحديث في العشرينات) زهاء مائة وخمسين أسرة كلدانية. يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل (يقصد به القلعة) يدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري. يتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم هم: ميناس غريب،قسطنطين،وتوما هندي)
لهم مقام محترم في المجتمع المدينة، أولهم عضو في مجلس الإدارة المنتخب، وهو مجلس كان في عهد الترك ذا صلاحيات واسعة (…) وقد فخرت هذه الطائفة إلى ما قبل الحرب العامة بأقدم بيعة للنصارى، وهي (بيعة الشهداء)التي بنيت في القرن الخامس الميلادي تخليداً لذكر شهداء اضطهاد الملك الساساني يزدجرد الثاني ٤٣٨ـ ٤٥٧ م..))
ومسيحيو القلعة لا يتكلمون بلغة غير التركمانية حتى كتابهم المقدس (مدراش) وأدعيتهم و صلواتهم ترتل بهذه اللغة. ولهم كنيسة معروفة في كركوك تسمى (قرمزي كيلسه ـ الكنيسة الحمراء) نظرا لبنائها فوق تلة حمراء. ولهم شخصيات معروفة على الصعيد الاجتماعي ومنهم (رفائيل ميناس) الذي درسني التاريخ في مدرسة الخالدية الابتدائية بكركوك وكذلك معلم الإنكليزية في نفس المدرسة(ماربين كره بيت)، الذي أصيب بالشلل بعد استشهاد ابنه (أيدن) في الحرب الإيرانية ـ العراقية. وقد زاملت في هذه المدرسة التي كانت تقع بمنطقة (شاطرلو) العديدين منهم ومنهم: قيدار روفائيل وشقيقه صائب روفائيل وكذلك بولص حنا وغيرهم. إضافة إلى العديد من الأطباء ومنهم جورج نوري شقيق الصديق الاستاذ صلاح نوري صاحب صيدلية صلاح بكركوك والدكتور نهاد الله ويردي، الذي اضطر بعد عودته من دراسته بتركيا لمغادرة العراق واللجوء إلى فرنسا..
وقد عشت سنوات عديدة في نفس البيت مع صديقي العزيز المهندس المرحوم أمير متي أثناء سنوات دراستنا بمدينة ازمير التركية، حيث تقاسمنا معا الغربة والأحزان ومحنة البعد عن الوطن. وتعود معرفتي به إلى أيام الدراسة الابتدائية التي درسناها في نفس المدرسة (المدرسة الخالدية). وقد تواصلت صداقتنا بعد العودة، و كانت بين عائلتينا علاقات قديمة، تعود إلى أيام عمل والده (متي) وعمه (مرقس) مع المرحوم والدي، في شركة نفط العراق. ولم تكن والدته السيدة لبيبة تختلف في طباعها وطيبتها عن أي أم تركمانية. أتذكر الآن بأسى السويعات الجميلة، التي قضينا معا في النادي الخاص بمسيحيي القلعة (نادي الذهب الأسود) الكائن خلف مبنى السوق المركزي في مدينة كركوك.
لقد تعرض إخوتنا مسيحيي القلعة، إلى نفس الظلم الذي لحق بأبناء جلدتهم من المسملين التركمان، حيث قتلت قوات الحرس الجمهوري (فرج بطرس هندي) وولديه مع عشرات من التركمان،الذين كانوا قد فروا من كركوك خوفا من بطش هذه القوات أثناء المذبحة التي قامت بها في آلتون كوبري، وهي في طريقها إلى أربيل عام ١٩٩١ للقضاء على الانتفاضة. والغريب ان كل الذين كتبوا عن شهداء التون كوبري لم يذكروا اسم فرج بطرس هندي وولديه من بين ضحايا مجزرة ألتون كوبري.
كما أن الباحثين التركمان لم يحاولوا الوقوف على تاريخهم ما عدا المرحوم صابر شاكر الضابط الذي تناول في كتابه الهام (كركوكده اجتماعي حيات ـ الحياة الاجتماعية في كركوك) جانبا من حياتهم الدينية، وأورد النصوص التركمانية من أدعيتهم التي تردد في حالات الوفاة والزواج والتي نقلها عن الأستاذ بطرس هندي من كتابهم المقدس (مدراش).
كما كتب الأستاذ روفائيل ميناس قبل سنوات مقالة عنهم في مجلة صوت الاتحاد (على ما أعتقد). وحسب علمي فأن البروفيسور أكرم باموقجي يقوم حاليا بكتابة بحث تاريخي عنهم، وهو جاهد في انهائه، مثل هذا البحث سيسد دون شك فراغا كبيرا في معلوماتنا، عن أبناء جلدتنا مسيحيو القلعة الذين يشاركوننا السراء والضراء في سيدة المدن العراقية كركوك.