قبل أيام وبينما كنت أمر على الفضائيات العربية، استوقفتني جمل أخيرة لتصريح كان يدلي به الدكتور فاروق عبدالله رئيس الجبهة التركمانية لقناة (الشرقية) من صالة ما ثم تحدث بعض الشخصيات من أحزاب وطنية في نفس الصالة. لم أفهم هل عقدت الجبهة مؤتمرا مع تلك الأحزاب أم ماذا؟ قلت في نفسي سأعرف الواقع حتما من القسم العربي من موقع www. kerkuk. net التابع لممثلية الجبهة في أنقرة التي تنشر بثلاث لغات تركية، إنكليزية وعربية أو من موقع www. bizturkmeniz. com لكنني وعلى مدى أيام لم أجد ما يشير من قريب أو بعيد إشارة إلى الاجتماع أو المؤتمر المذكور. بطبيعة الحال لا يتحمل الموقعان أية مسؤولية في ذلك بل السبب أو القصور هو في إهمال دور الإعلام وعدم التخطيط له. حيث ان القصور الإعلامي لا يزال مسيطرا على أداء معظم التنظيمات التركمانية ان لم يكن كلها. والأغرب من هذا هو عدم وجود موقع باللغة العربية لهذه التنظيمات يقوم عبر قنواته بتوعية الرأي العراقي والعربي بتاريخ التركمان وتراثهم وهويتهم الوطنية، وتكشف عن محاولات طمس تاريخهم من قبل الحكومات السابقة إضافة وبعض الأحزاب حاليا، ناهيك عن قيام الإدارة الأمريكية نفسها بتهميش التركمان وحرمانهم من حقوقهم السياسية والإدارية، حيث ان لم ينلوا أي مكسب يمكن الادعاء به على انه تحقق لهم بعد انهيار العهد المباد.
يتذمر أحيانا بعض التركمان بأن إخوتنا العرب في العراق لا يعرفون شيئا عن التركمان، دون ان يوجهوا السؤال إلى أنفسهم: هل ساهمنا نحن بتعريف أنفسنا للآخرين. الجواب بالتأكيد كلا. فالأحزاب والتنظيمات والمؤسسات الثقافية التركمانية مقصرة في هذه الناحية قصورا تاما.
ان الخطوة الأهم في هذا المجال هو إقامة موقع عربي على الانترنيت (وهو اضعف الإيمان) ينشر إلى جانب النشاطات السياسية كل ما من شأنه التعريف بالهوية الوطنية التركمانية وثقافتها وتراثها وتأكيد التركمان على وحدة تراب الوطن مهما كانت الظروف والملمات التي يمر بها وطننا الحبيب. ويكون ضفة للحوار والتواصل مع جميع المنظمات والأحزاب الوطنية في العراق.
وإذا كان البعض من الكتب التركمان، يظن أن الكتابات القليلة التي تظهر بين حين وآخر في بعض المواقع وأغلبها يأتي كرد فعل على تخرصات البعض وتطاولهم على التركمان، بكاف فهم واهمون وهما ما بعده وهم. تأتيني أحيانا رسائل من بعض الأصدقاء تحمل الغضب والسخط لأن أحد النكرات تطاول على تاريخ التركمان العريق الضارب في القدم قدم الوطن العراقي أو على هويتهم الوطنية التي لا يختلف اثنان على مصداقيتها أو على محاولات تزييف تاريخ كركوك وبقية المناطق التركمانية.
يكون جوابي دائما لهؤلاء الأعزاء جوابا واحدا لا يتغير: بدل من الدخول في مهاترات مع هكذا نكرات كل بضاعتهم البائرة قائمة على العنصرية والكراهية للغير، اكتبوا عن تاريخ كل حي، كل قرية من القرى التركمانية، ترجموا آلاف القصائد التي كتبها شعراؤنا عبر عقود شدوا فيها بكركوك، اكتبوا عن تراثنا، عن مسرحنا، عن صحافتنا التي بزغت شمسها مع جريدة (حوادث) التي صدرت في ٢٤ شباط ١٩١١. اكتبوا عن السيد أحمد مدني زاده قدسي زاده رائد الصحافة التركمانية، عرفوا العراقيين والعرب بالدور التنويري الرائد الذي يقوم به شيخ الباحثين التركمان الأستاذ عطا ترزي باشي، اكتبوا معاناة رائد المسرح التركماني عصمت الهرمزي قبل نصف قرن. وثقوا تاريخ كل مدينة وقرية تركمانية.
طبعا هذه المهمة لا تنتهي بجهود المخلصين المثقفين بل أن العبء الأكبر يجب أن تقوم به المؤسسات والمنظمات التركمانية. وقد بات إصدار جريدة يومية في بغداد باللغة العربية مطلبا ملحا لجميع المثقفين التركمان، تكون جريدة يجد فيها القاريء العراقي ما يجده عادة في صحيفة يومية. كما أهملت وللأسف الشديد هذه التنظيمات والجبهة التركمانية، تكليف باحثينا ومثقفينا بكتابة بحوث وكتب عن تاريخ التركمان وتراثهم وثقافتهم ودورهم الوطني في العراق منذ تأسيس الحكومة الوطنية وحتى الآن.
أين الكتب والبحوث التي تسلط الضوء على دور التركمان الوطني في ثورة العشرين؟ لماذا تتقاعس وحتى الآن الجهات الإعلامية التركمانية بطبع المخطوطات الهامة لملا صابر كركوكلي وشاكر صابر الضابط ومحمد خورشيد داقوقلي وهجري ده ده وعشرات غيرهم، وكلها تتحدث عن عراقة الكيان التركماني في كركوك والمدن الأخرى، ولماذا يهمل طبع المخطوطات النادرة في بيوتات التركمان باربيل حتى الآن؟ لماذا لا تعيد هذه الجهات مثلا طبع كتاب (موجز تاريخ التركمان) لشاكر صابر ضابط والذي لا يزال يعتبر أصدق ما كتب عن التاريخ التركماني منذ أكثر من أربعة عقود؟ هل يقف حديثه عن عبدالكريم قاسم حائلا دون طبعه، ما الضير لو طبع كما هو باعتباره وثيقة كتبت في زمن عبدالكريم قاسم؟ لماذا لا تكلف الجهات نفسها أحد مثقفينا لترجمة الكتاب الهام (كركوكده اجتماعي حيات ـ الحياة الاجتماعية في كركوك) لنفس المؤلف، والذي يعتبر منجزا ثقافيا هاما في الحديث عن مورثونا الثقافي في مدينتنا التاريخية كركوك؟ لماذا التقاعس نفسه في ترجمة أهم موسوعة عن شعراء كركوك عبر عقود بأجزائه التسعة للبحاثة الأستاذ عطا ترزي باشي؟ أين الموسوعة التركمانية عن تاريخ المناطق التركماني وجغرافيتها الممتدة من تلعفر وحتى مندلي. وأين هي موسوعة كركوك باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية بأحيائها وشوارعها وتاريخها البعيد والقريب، لتكون بمثابة الرد الحاسم على تخرصات البعض حول عائدية هذه المدينة الأبية؟
لقد اقتربنا من الزمن الضائع ولو لم يتحرك التركمان على الصعيد الإعلامي بمعناه الواسع والشامل، فإنهم سوف يخسرون المباراة، سيخسرونها ان لم يصيبوا المرمى بالهدف الذهبي في الوقت الضائع.