عند استلام الشاعر المكسيكي اوكتافيو باث جائزة نوبل، تحدث في الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة معرفا العالم الثالث بقوله:
" انه عالم يمارس فيه الأقوياء سطوتهم على الضعفاء، تهيمن فيه العلاقات السرية على مباديء الحق والعدل في السياسة والاقتصاد، يعاقب فيه النقد ويهمش فيه الإنسان "
بحساسية الشاعر المرهف يبسط باث قضية الدكتاتورية، ليست بصورها الشائعة في ما يسمى بالعالم الثالث بل في العالم أجمع.
في شتى بقاع العالم ألا يمارس الأقوياء اقتصاديا وسياسيا سطوتهم وتسلطهم وقسوتهم لخدمة مصالحهم فقط؟
ألا تهيمن العلاقات السرية في البزنس والتحالفات الحزبية والسياسية على مباديء حقوق الإنسان؟ الاتضيع هذه المباديء وتصبح أثرا بعد عين عندما يتعلق الأمر بمصلحة الأقوياء؟
الايحدث هذا عندما تثير دول غربية اليوم قضية دارفور، وتهيئ كل شيء للتدخل في السودان تحت مظلة حقوق الإنسان المثقوبة والبالية في أكثر مكان من العالم؟ الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل تمثال بوذا في أفغانستان، لماذا لم يحركوا ساكنا أمام الأحداث الدامية التي طالت النجف، والصحن الحيدري الشريف. لماذا بلعت الأمم المتحدة لسانها، ولم يعلن أمينها العام ولو بنصف كلمة عن استنكاره حول ما يحدث أو يحاول التدخل ليوقف نزيف الدم؟ ولماذا خرست الدول الأوربية حامية حمى حقوق الإنسان في دارفور؟
هل الإنسان الذي في دارفور أغلى وأثمن من الإنسان العراقي، الذي استبيح دمه في النجف ومناطق أخرى من العراق؟
هل الدارفوري أكثر قيمة من الفلسطيني الذي يراق دمه منذ أكثر من خمسة عقود؟ لماذا تصاب هذه الدول بالعمى وبالخرس حينما يتعلق الأمر بتحديد موقف واضح وصريح وشجاع مما يجري من انتهاكات مستمرة على يد شارون ضد شعبنا الفلسطيني المناضل؟
لماذا تسد الإدارة الأمريكية آذانها عما يجري في بقية دول العالم. لماذا لا نسمع صوت حامية حمى الديمقراطية في العالم من الوضع المأساوي الذي يعيش فيه مليون آذري بعد احتلال منطقة(قره باغ) التابعة لأذربيجان، جهارا نهارا من قبل أرمينيا؟
لماذا تصر هذه الإدارة وصنيعاتها الدول الأوربية على عدم بذل أي جهد لحل مشكلة كشمير، التي كانت ولا تزال بمثابة لغم قابل للانفجار في أي وقت بين الهند وباكستان؟
لقد سقطت القيم الإنسانية في عصرنا. وبات الجميع عراة حتى من ورقة التوت، وباتت اللغة الوحيدة في عالمنا، هي لغة المصالح والمنافع وليست المباديء.
بتنا نرى الدول التي خدعنا بها سنوات على أنها الدول، التي تجسد المعاني الإنسانية النبيلة و تسيد قيم الحق والفضيلة والعدالة، نراها ملطخة اليدين، قبيحة الوجه، بعدنا أن اكتشفنا أنها تعتاش على مآسينا، على مشاكلنا، على كبواتنا وسقطاتنا. نموت نحن ليعيشوا هم.
لم يعد يجدي الأسف والحسرة على مامر من عمرنا لتحقيق الحلم الذي طالما عشنا من أجله، أن يسود الاستقرار والأمن والديمقراطية منطقتنا.
كعراقي اعتقد أن أمريكا قضت بيديها على فسحات الفرح في نفوسنا بعد سقوط الطاغية، بتشجيعها منذ اليوم الأول لرحيل الطاغية، اللصوص على(فرهدة) المصارف ومؤسسات الدولة تحت الحماية الأمريكية، وبذلك أوجدت في العراق طبقة اجتماعية جديدة قوامها اللصوص والمجرمين والقتلة والمنتفعين من الانفلات الأمني. وبفضلها تم بيع الدبابات التي تركها الجيش العراقي بمبلغ ثلاثة آلاف دولار في الحدود الإيرانية، وتحولت الطائرات إلى (خردة) تباع بالأطنان في سوق اللصوص والحرامية.
بفضل أمريكا استقوت فئات وأحزاب عراقية على فئات وأحزاب وطنية.
بفضل أمريكا بدأت مرحلة المحاصصة في الحكم والطائفية في تشكيل الحكومة.
بفضل أمريكا أكثر من نصف القوى والأحزاب العراقية غائبة قسرا عن المؤتمر الوطني.
وكما قال باث، أقول بفضل أمريكا، لا يزال الأقوياء يمارسون سطوتهم على الفقراء في وطني.