صورة عليها تاريخ ٢٨/١/١٩٧٢، تجمع ثلاثة شبان يجسون في شرفة كازينو (النصر) المعروفة في كركوك، ينظرون إلى عدسة المصور مبتسمين. يطل من عيونهم التفاؤل والأمل بالمستقبل.
أحد الموجودين في الصورة هو أنا. أما الآخرين فهما صديقا العمر المرحومين موفق ناظم وداوود زيا.
كنا مهووسين بالجمال والفن والمسرح والأدب. نقضي ساعات طوال لمناقشة فيلم سينمائي شاهدناه في السينما أو في التلفزيون. كنا نؤمن بصدق أن العدالة التي نحلم بها سيتحقق يوما ما. وأن القصيدة ستصبح بمعزة الخبز للبشر. وأن الأشرار سوف يهزمون لا محالة أمام قوى الخير والمحبة.
في هذا التاريخ كنت استعد للسفر للدراسة في تركيا مع مجموعة من الأصدقاء. صدرت الموافقة الأمنية للجميع ما عداي. وكلما كنت أراجع للسؤال عن مصير طلبي، كان الجواب لا يتغير: تعال بعد أسبوع!
ولم تنته هذه الأسابيع. ولم يكن يسمح بالمراجعة إلا من شباك غرفة صغير. أما الدخول إلى مبنى الأمن لمتابعة الموضوع فأنه كما يقول المثل كان: من سابع المستحيلات.
أعيتني الحيلة وبدأت خيبة الأمل تنتابني إلى أن أشار علي أصدقائي أن اطرح الموضوع على احد الأشخاص من الذين كانوا يعملون في دائرة الأمن، وكان يسكن منطقتنا (عرفة). بعد مفاتحته، رافقني إلى مبنى مديرية أمن كركوك. أدخلني غرفة كان فيها عدة أشخاص، وقد بدؤأ باستفزازي قائلين: لماذا أحرقت مدرسة ثانوية كركوك؟
ثم انفجروا ضاحكين حينما رأوا في وجهي علامات الدهشة والاستغراب. خرجت من المبنى غاضبا. وأخذت أجتر ألآمي طويلا. ترى لماذا يماطلون معي؟ فأنا غير منتمي لأي حزب، وليس لي أي نشاط غير الأدب.
أشار علي البعض أن اكتب رسالة إلى مدير أمن كركوك أشرح فيه حالتي، وأطلب مقابلته. بعد فترة أتاني الجواب وذهبت بقلب متوجس. ولم يكن في الغرفة مدير الأمن بل مساعده. ذكرت له أن زملائي، راجعوا المديرية معي في نفس اليوم قد حصلوا على الموافقة بينما أنا لا أزال انتظر.
نظر إلي طويلا ثم مد يده إلى اضبارة أمامه قائلا:
ـ أنت كاتب سياسي!
استغربت مما قاله فقلت، أنا قاص وكاتب مسرحي.
أخرج ورقة من أمامه واخذ يهزها أمامي بعصبية:
ــ ما هذا إذن؟!
تمعنت، كانت الورقة التي في يده رسالة بخط يدي، كنت بعثتها قبل أشهر إلى مجلة (الصياد) اللبنانية
ردا على بيان أصدرته (حركة التقدميين التركمان)، وهي حركة اصطنعها نظام البعث البائد من بعض التقدميين لبث الفرقة بين التركمان!. . وكان أيسر طريقة أمام هذه الحركة كما يفعل البعض الآن، هو أن تهاجم هذه الحركة التقدمية التركمان، وتنعتهم بالرجعية وأعداء التقدم، وتصفهم بأنهم يعارضون قيام الحكومة بمنح الأخوة الأكراد الحكم الذاتي. وكنت قد أرسلت رسالة إلى المجلة، أنفي فيها صفة الرجعية والعمالة التي الصقها الحركة التقدمية جدا بالتركمان، واؤكد أن منح الحكم الذاتي للإخوة الأكراد خطوة ايجابية لا يمكن لأي تركماني أن يعارضها على عكس ما تدعيه الحركة المذكورة، وان أعضاء الحركة يحاولون الاصطياد في الماء العكر.
قلت لمعاون مدير الأمن:
ــ الرسالة أمامك وليس فيها ما يسيء إلى الحكومة، بل بالعكس فإنها تشيد بقرار منح الأكراد الحكم الذاتي.
نظر إلي تارة والى رسالتي التي تم القبض عليها قبل وصولها إلى مجلة (الصياد) تارة أخرى، ثم قال بصوت أجش:
ــ اذهب إلى قسم الجوازات وخذ جوازك.
فانطلقت كالطير إلى دائرة الجوازات، وكانت ملاصقة لدائرة الأمن آنذاك وأنا غير مصدق.
سافرت لكنني ظللت على صلة وثيقة بالوطن وبصديقي العزيزين الآشوري داوود زيا، والعزيز موفق ناظم، شقيق الدكتور صبحي ناظم، وأبن أخت الأستاذ فاضل الصالحي رئيس بلدية كركوك الأسبق.
في سنوات الجمر والخراب والدمار قتل موفق الذي كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه حتى في اشد اللحظات حزنا وكآبة، موفق الذي كان يحب النساء الجميلات والمسرح والحياة وكركوك، قتل في بدايات الحرب الإيرانية، ولم يعثر على جثته حتى الآن.
كما مات قبل عام داوود زيا بعد ان أصيب بسرطان في المخ بمنفاه السويدي، داوود الذي تخرج من أكاديمية الفنون المسرحية كمخرج، والذي انبهر بالمسرح بعد ان قام بدور (الفدائي) في مسرحيتي (الناقوس). . وكنا نخطط أن اكتب أنا وأن يخرج هو مسرحياتي. هو أيضا تشرد لسنوات طويلة عند سنوات دراستي، في ايطاليا بعد أن اضطر لمغادرة العراق، ثم تركها ليعيش حتى موته كلاجيء سياسي في السويد.
لم يبق مما كانوا في الصورة غيري. لا أزال أتذكر بأسى، أيامي مع صديقي العمر موفق وداوود. أحاول ان أعيش فيما تبقى من حياتي بشرف، في عالم فقد كل إحساسه بالجمال والحب والإنسانية، أحاول ان لا أفقد حتى آخر لحظات حياتي العالم الذي خلقته لنفسي. العالم الذي لا يسع إلا للجمال والشعر والأدب والكلمة الطيبة والصدق في زمن الكذب والدجل والزيف والخيانة وسطوة الأقوياء.