طالعت بألم لا يمكن تعريفه والاهتداء إلى ضفافه ما كتبه الأستاذ قحطان الهرمزي في صحيفة (توركمن ايلي) بعنوان (صفحات من التاريخ السياسي الحديث) الذي أنار فيه ذهن فئة اعتادت على الالتفاف حول الحقيقة حينما يتعلق الموضوع بالتركمان فقط. ورد خلاله على ما اعتاد على ترديده هؤلاء البعض من تخرصات: أين كان التركمان حينما كان الآخرون في الجبال!
حيث حدد الهرمزي بالوقائع وشواهد حية ، أن الآخرين حينما كانوا في الجبال فالتركمان لم يكونوا في نعيم ، ولم يكونوا يعيشون فرحا استثنائيا في ظل حكم إرهابي ظل يعاني حتى لحظاته الأخيرة من عقدتين: التركمان وكركوك.
حينما كان الآخرون في الجبال ، كان قسم من التركمان يتواصلون في كافة الأحزاب السياسية على مختلف اتجاهاتها اليسارية والقومية والدينية وغيرها.. وكان القسم الآخر وهو ما خصهم الأستاذ قحطان الهرمزي بالحديث في ذكرياته المريرة عما آل إليه محاولات تشكيل تنظيم تركماني وطني ، يناضل من أجل الحصول على استحقاقاته المشروعة في زمن أعتى الأنظمة الإرهابية في العراق. وحدثنا الهرمزي كيف تحمل هذا الرعيل أسوأ صنوف العذاب والتنكيل. منهم من أنهى حياته على حبل المشنقة راضيا مرضيا ، ومنهم من قضى زهرة شبابه في غياهب السجون.
ليقرأ أولئك الذين اعتادوا على التشكيك بالتركمان دائما في كل فرصة سانحة ، وليشعروا بالخجل حينما يحالون تكرار سؤالهم لأغراض إعلامية بحتة: حينما كان الآخرون في الجبال ، أين كان التركمان؟
قحطان الهرمزي الإنسان والشاعر والشخصية الوطنية ، تمنيت أن أراه أينما ارتحلت. تمنيت أن أفاجأ ذات صباح بدخوله متأبطا ذراع حمزة حمامجي والدكتور محمد عمر قازانجي وإسماعيل إبراهيم وفاروق كوبرلو ، إلى المقهى الذي اشرب فيه قهوتي في الساعة الثامنة من كل صباح في الحي الذي اسكنه في جنيف (ميرين) ، وأنا أتصفح جريدتي في نفس الزاوية وحيدا ، قبل أن أعود إلى البيت للكتابة. لأن قحطان الهرمزي هو من النمط الإنساني الذي لا يفارق من يقابله إلا بقافية جذلى وبحزن نبيل ، بقامة تركمانية شامخة تحكي حكاية النضال في ليل السجن البغيض.
وأنا أقرأ ذكرياته عن تلك الأيام الحالكة ، أتساءل: كيف سمح المجرمون أن يرفعوا أيديهم القذرة لتنهال على هذا الاشراقي المفتون بالحياة والعذوبة والضوء والعشق ، وكل ما هو حي ومدهش ونابض بالحياة؟ كيف امتدت يدهم الآثمة إلى صداقته الآسرة منذ عقود مع الكلمة والشعر والجمال؟
أن هذا القابع في مدينته العتيدة التي يريد الأشرار سرقتها منه ، لا يريد إلا أن يبقى فيها كما الوردة في غضنها ، وكما الدوري على الشجرة..وكمجرى ماء ، كي يبرق كضوء محبة.
في كتاباته عن الليل الطويل يشعل قحطان الهرمزي الشمعة للآخرين ، وهو إذ يطالب لنفسه بالأحلام الشعرية المستحيلة ، فأنه يطالب لأبناء جلدته بالماء والهواء والحرية في مدينتهم ، رغم نزيفه تحت سياط الجلاد ، ورغم حرمانه من سماع أعذب الألحان بعد فقدانه لنعمة السمع بعد التعذيب. فهل ثمة تعذيب لشاعر يفوق هذا التعذيب: توقفه عن سماع صوت الطبيعة وخرير المياه المنسابة في (خاصه صو ) ، وسماع هديل الفاختة من على الأغصان ، وزقزقة الطيور في ساعات الفجر ، لكنه بدلا من ذلك ظل يسمع بعناد بإصرار صوت شعبه وخورياته ومقاماته التي لا يمل منهما القلب ولا الروح. خاصة إذا كان القلب قلب شاعر.
لقد ظل قحطان الهرمزي يحول أبسط الأفعال والعواطف إلى شعر. لأنه ليس خريج مقاهي الثرثرة. ولأن الخداع والتملق ليس من شيمه فهو سيظل أمينا حتى الرمق الأخير لتلك المباديء التي لم يتنازل عنها حتى وهو وحيد مع رفاقه في غياهب السجن الرهيب ، بعيدا عن دائرة اهتمام مدعي حقوق الإنسان ، مغيب الاسم مع زملائه عن سجلاتهم وتقاريرهم. لأنه لم يمش على النار ليذكر اسمه وأسماء الكوكبة التي كانت معه في تلك السجلات ، التي غيبت معاناة التركمان وما يتعرضون له من انتهاكات صارخة وحقوق وحريات مغبونة لسنوات طويلة من تقاريرها ،ولم تأت على ذكرهم إلا في سنوات متأخرة.
لو كان بمقدوري لنزلت إلى الشارع لأشحذ لقحطان الهرمزي الزمن ، ليكتب ما يريد ويتواصل مع شعبه الذي حبه وأحبه.
إن حامل النار والنور في كركوك في الزمن العصي والزمن الحالي ، لا يزال يحمل في شخصه وكتاباته نقاوة القلب والكلمة والنضال.