قبل حلول شهر كانون الثاني ٢۰۰٥ المحدد لإجراء الانتخابات في العراق، ستبدأ في الشهر المقبل، عملية الإحصاء السكاني في كركوك. ومن أجل أن تكون لصالح مخططات الإدارتين الكرديتين في السليمانية وأربيل، ومزاعمهما في أن كركوك مدينة كردية، فان هجرة آلاف المؤلفة من الأكراد شتى البقاع من داخل وخارج العراق (وخاصة أكراد تركيا وإيران) مستمرة، حيث تتدفق إليهم المساعدات السخية من إدارتي البرزاني والطالباني لبناء بيوت عشوائية في كل مكان بالمدينة تحت سمع وبصر حكومة أياد علاوي الموقرة، والأحزاب الستة الممثلة في المجلس الوطني، الذي لم يجد أيا من أعضائه الشجاعة الكافية في نفسه، لطلب تقديم استفسار من قبل المجلس لزعيمي الحزبين كما هي العادة في الدول الديمقراطية، للوقوف على أسباب تهديد البرزاني بإعلان الحرب من أجل احتلال كركوك، وتهديده بعد ذلك بأسبوع (بعد تبشيره للعراقيين باستعداده لخوض أول حرب بعد سقوط النظام البائد)، العرب في هذه المدينة بمغادرتها. وكذلك تهديد الطالباني بدوره العرب في خانقين بضرورة ترك هذه المدينة؟.. لكن الأغرب من هذا ورغم حدوث مثل هذه التطورات الخطيرة التي تستهدف وحدة العراق من زعيمي حزبين ممثلين في الحكومة، اجتماع المجلس الموقر بناء على طلب أحد أعضائه لإلغاء لقب الشريف من الذي يسبق اسم راعي الملكية الدستورية في العراق الشريف الحسين بن علي!! وكأن هذا اللقب الذي يرافق علي ابن الحسين بسبب انتمائه إلى عائلة هي سليلة الرسول الكريم، قد منح للشريف من قبل هذا المجلس وهو الآن يلغيه باتفاق الآراء بناء على اقتراح عضو من أعضائه الموقرين!
ما أشبه موقف المجلس الصامت الأخرس أمام تصريحات البرزاني والطالباني وتهديداتهما، بموقف الرهبان الذين كانوا يناقشون بحماس، أثناء دخول السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، فيما إذا كانت الملائكة إناثا أم ذكور.
طرد من كركوك ٥۰ ألف من العرب بدعوى أنهم أتوا إليها في زمن التعريب، بينما دخل حسب المصادر الأمريكية المدينة ٧٢ ألفا من الأكراد حتى الآن. وقد اشتدت حمى الهجرة إلى كركوك هذه الأيام بمعدل ٥۰۰ كردي يوميا. حتى الصحف الأمريكية ومحطات التلفزيون لم تخفي دهشتها أمام الزحف الكردي إلى كركوك بدعوى أنهم من المهجرين منها أيام نظام صدام البائد.
حق يراد به باطل، فمن تم ترحيلهم هنالك قوائم بأسمائهم في سجلات الدولة الموجودة الآن بحوزة حكومة أياد علاوي، والذي يعرف الأحياء التي يقطنها الأكراد في كركوك وعدد البيوت في هذه الأحياء سيصاب بالذهول، لاستمرار الهجرة إليها منذ أكثر من عام وبهذا العدد الضخم. والمطلعون على حقيقة الأوضاع يعلمون أن من قام نظام صدام بترحيلهم من كركوك من الأكراد والتركمان، كانوا يقيمون في مجمع انشيء لهم في اربيل يسمى مجمع (بنصلاوة)، وظلوا يعيشون فيه حتى سقوط النظام. فهل الآلاف الزاحفة إلى كركوك هم من كانوا فعلا من سكان مجمع (بنصلاوة)؟!!
وهل تحول عبدالله أوجلان إلى زعيم عراقي، حتى تلصق صوره على جدران مدينة كركوك، وهل تحول حزبه (حزب العمال الكردستاني) إلى حزب عراقي سيشارك في الانتخابات العامة بداية عام ٢۰۰٥، ليتم فتح مكاتب له في أكثر من منطقة بمدينة كركوك؟
لقد عاد المرحلون الأكراد من كركوك إلى بيوتهم منذ الأيام الأولى لدخول قوات الطالباني مع القوات الأمريكية التي دخلت المدينة، وطردوا منها العرب أو فر هؤلاء خوفا على حياتهم، كما رأى ذلك العالم من على شاشة الفضائيات العربية. أما أن يتواصل وصول أفواج هائلة من الأكراد إلى المدينة على مدى أكثر من عام ونصف بعد سقوط النظام وحتى الآن، فهو أمر يبعث على التفكير. وإذا كان هؤلاء من سكنة المدينة فلماذا هذه الحملة المحمومة لبناء بيوت عشوائية لهم في كل مكان أمام أنظار الجميع قبل التأكد أنهم فعلا من سكنة هذه المدينة؟ ان إعداد هؤلاء وإسكانهم عنوة في كركوك يأتي لهدف واحد هو: إعدادهم للمشاركة في الإحصاء السكاني في المدينة، لتغيير الطابع السكاني لصالحهم فيها، ثم المطالبة بها على أساس ان الأكثرية من سكانها هم من الأكراد؟
ويستغرب المرء تأخر الوعي عند الأمريكيين حتى الأمس القريب في عدم اكتشافهم لطبيعية النوايا الكردية، التي تهدف لتغيير الطابع السكاني لكركوك بطرق غير مشروعة ومدانة. فحينما طرحت تركيا على الجانب الأمريكي مرارا الانتهاكات التي يتعرض لها التركمان في مناطقهم، ظن الأمريكيون بأن تركيا تفتعل ذلك لاستقطاع حصة من الكعكعة العراقية لخدمة مصالحها. لذلك ظل الموقف الأمريكي تجاه التركمان ضبابيا وغير واضح.
إلا أن أمريكا كما يبدو قد بدأت تصحو من النوم، بدليل أن المسؤول الأول الأمريكي قائد لواء المشاة الجنرال جون باتيست، اعترف بأن كركوك مقبلة على خطر نشوب حرب أهلية فيها.
ان تغيير التوازن السكاني في كركوك بالقوة لصالح أي قومية من القوميات فيها، ستؤدي إلى نزاعات عرقية وحرب أهلية تتجاوز ما حدث في البوسنة وكوسوفو من مآس باعتراف الجنرال باتيست نفسه.
يبقى من الجدير بالقول ان التركمان طوال معارضتهم للأنظمة الحكم العراقية التي عملت على تهميشهم دائما، لم يلجاؤا إلى العنف المسلح. بل افشلوا كل مخططات صدام العنصرية التي غيبتهم عن الإحصائيات السكانية، وأرغمتهم على تسجيل أنفسهم إما عربا أو أكرادا، بالحفاظ على هويتهم الوطنية والقومية في كل الظروف والأحوال.
ان زواج رئيس دولتنا السيد غازي الياور، مؤخرا من وزيرة كردية في حكومة السيد أياد علاوي، وضمانه للأصوات الكردية لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو وجود رئيس آخر غيره لا يمكن أن يغير من الواقع شيئا فيما لو وقعت حرب أهلية في كركوك (لا سمح الله).
لقد أعلنت تركيا وعلى لسان مسؤوليها بأن الشيء الأهم بالنسبة لها، هو استتباب الأمن والاستقرار في العراق، وأن حماية حقوق التركمان مهمة بالنسبة لها من زاوية تحقيق الاستقرار قي العراق بنفس درجة أهمية ضمان حقوق الأكراد والعرب والآشوريين وكل أطياف الشعب العراقي.
إلا أن أمريكا رغم ذلك أهملت الحفاظ على التوازن المطلوب في المنطقة قبل حرب الخليج الأولى وبعدها عند احتلالها العراق. وكان من نتائج هذا الإهمال فقدانها تأثيرها السياسي وسيطرتها على الأحداث، هذا إن لم تكن قد فقدتها فعلا. وسيكون الدليل على ذلك هو عدم اتخاذها أي تدابير من شأنها نزع فتيل احتمال اندلاع حرب أهلية في كركوك، رغم البوادر التي تؤكد ذلك، وفي مقدمتها الاعتراف الذي أتى مؤخرا على لسان مسؤوليها وإعلامها حول تفاقم الأوضاع الخطيرة في كركوك، والتي باتت تنذر بكارثة سيحترق بنارها الجميع.
لقد أعلنت قوات التحالف عام ١٩٩١ منطقة خط ٢٦ التي ضمت أربيل والسليمانية ودهوك وزاخو (مناطق الحكم الذاتي) كمنطقة محمية دولية، واستثنت من ذلك كركوك والموصل رغم وقوعهما في شمال العراق، مما يعني عمليا، أن هذه القوات لم تعتبر هاتين المدينتين ضمن المدن الكردية، واستمر هذا الموقف حتى سقوط النظام في ٢۰۰٢.
لقد اتخذت أمريكا موقفا مؤيدا للطروحات الكردية بشكل ملفت للأنظار، وهمشت حقوق التركمان بعد اختلال العراق، نكاية بتركيا التي لم يقرر برلمانها مشاركة القوات الأمريكية في عملية احتلال العراق؟.. رغم أن هذا الموضوع لا يخص التركمان من قريب أو بعيد.
إن الحل السلمي لمشكلة كركوك المصطنعة، يكمن في ضرورة العودة إلى تطبيق المبدأ الذي تم تطبيقه على كركوك والموصل اعتبارا من ١٩٩١ وحتى سقوط النظام البائد بفارق واحد، وهو إعادة من تم ترحيلهم فعلا من المدينة بالعودة إلى السجلات الحكومية ووثائق الأمم المتحدة التي ورد فيها اسم كل من تم ترحيله عن كركوك. أما استمرار الأوضاع المحتقنة في المدينة على ما هي عليها الآن فستكون عواقبه وخيمة تجر العراق إلى مشاكل هي في غنى عنها.