حينما غزت الفرحة الطاغية قلب كل عراقي بزوال حكم أعتى الطغاة، إذ الفرحة تتحول ما بين ليلة وضحاها الىغصة وألم و نحن نرى اغتيال تلك الفرحة القصيرة العمر على يد جيوش اللصوص وهي تهجم على الدوائر والدور والبنوك والمتاحف والمكتبات في وضح النهار بمباركة أمريكية أمام عدسات التلفزيون. حيث أيد وزير الدفاع رامسفيلد الغوغاء واللصوص بقوله "هذا حقهم، فقد نهب صدام على مدى حكمه، وهم يستعيدون (أي اللصوص) ما نهبه صدام!. . بفضل التشجيع الأمريكي، ازدهرت تجارة الأسلحة بل وصل الأمر ببعض عصابات التهريب في السليمانية إلى بيع دبابات إلى إيران (انظر الى جريدة الزمان).
وكان قول رامسفيلد إيذانا بشرعية الفوضى العارمة التي عمت العراق وانتشار الرعب في الشارع العراقي، وبتحكم العصابات المسلحة. وبإلغاء الاحتلال وتصفيته لجميع مظاهر الدولة ومؤسساتها من إلغاء المؤسسة العسكرية والشرطة، وتسريح الملايين من العاملين والموظفين في قطاعاتها وتركهم دون راتب، أشعل فتيلة المشاكل والفوضى في عرض العراق وطوله.
وكان من الممكن أن لا تلجأ قوات الاحتلال إلى هذا الخطأ القاتل أسوة بما حصل أثناء سقوط النظام الشيوعي في روسيا التي ظلت مؤسسات الدولة التقليدية فيها كما هي، باستثناء إحالة عدد قليل منهم إلى التقاعد وكان من الممكن أن يحصل ذلك في العراق أيضا. لكن ذلك لم يكن قطعا في مصلحة شلة الفاسدين المحيطين ببريمر الذين كانوا يمررون طلباته عليهم فيقبلها على علاتها ظنا ان ذلك يقرب فترة رش الشعب العراقي للزهور على الجيش الأمريكي في كل مكان بالعراق. وبهذه الخطوة انعدم الأمن والاستقرار بين ليلة وضحاها ليجد المواطن العراقي نفسه تحت رحمة العصابات واللصوص والميليشيات.
تبعت هذه الخطوة) لبننة( الوضع في العراق من خلال النسب والمحاصصة في اختيار أعضاء مجلس الحكم الذي ليس إلا واجهة هشة للاحتلال، وتوزيع الحقائب الوزارية، واختيار وكلاء الوزارات من أقارب أعضاء المجلس وكأن ليس هناك من يستحق ذلك من التكنوقراط وأصحاب الخبرة الادارية في العراق، وخلال هذا العام ثبت أن أيا من زعماء الأحزاب الممثلين في المجلس يفقتر الى مواصفات الزعيم الوطني تلتفت الجماهير حوله. بل ظل كل منهم بحجمه الحقيقي يحاول الحصول أكبر المغانم واستحقاقات غير مشروعة وامتيازات لحزبه وطائفته وأبناء عمومته وعموم أقاربه. على حساب مصلحة الوطن ومصلحة الشعب العراقي. وقد اعترفت كوندليزا رايس مرارا، أن أعضاء المجلس ليسوا مؤهلين لقيادة العراق.
دستور يعزز دكتاتورية الأقلية
في كل دساتير العالم يتم اتخاذ القرارات حسب رأي الأغلبية في المجلس الوطني أو البرلمان. إلا في دستور بريمر الغريب الذي يفرض (اللغة الكردية ) لغة رسمية في جميع مناطق العراق. فموظفي الدولة والقضاة الذين سيعينون في محافظات الحكم الذاتي ( دهوك، السليمانية وأربيل ) عليهم تعلم الكردية كي يفهموا مغزى المخاطبات الرسمية التي ستكتب بهذه اللغة. وهو مالم يحدث في أي مكان بالعالم في أن يفرض لغة ۱٥ ٪ من السكان على لغة ٨٥ ٪ منهم من غالبية الشعب من العرب والتركمان والآشوريين. .
ولا يكتفي الدستور البريمري بذلك بل يحدد حقا غريبا واقعا على كل المقاييس الدستورية في العالم، حيث تعطي المادة ٦۱ للأكراد (وحدهم) حق نقض أي مادة دستورية تتفق عليه الأغلبية بأصوات ثلثي من سكان المناطق الكردية!. . وهو ما لم يحدث حتى في هونولولو. فأمريكا الراعية الأساسية لدمقرطة العالم هل تقبل إلغاء القرارات التي يتخذها الكونغرس لاعتراض ثلثي من سكان الولايات الأمريكية عليها؟
ان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه في هذا الدستور الذي تشير مواده الأولى الى المساواة بين جميع المواطنين، يناقض نفسه بنفسه من خلال منحه حقوقا استثنائية للأكراد بجعل لغتهم لغة رسمية في جميع أنحاء العراق، وليس في مناطقهم فقط بالإضافة على منحهم حق نقض أي قرار دستوري لا يتناسب مع مصلحتهم، مع ارتباط البيشمركة بهم مباشرة، وليس بأوامر السلطة المركزية
في مقابل هذا الكرم الحاتمي الأمريكي تجاه الأكراد رأت إدارة بريمر كل ما يخص التركمان بعين واحدة، واستمعت بأذن واحدة وطبقت حرفيا كل ما ذكروه المدللون من الأكراد، من افتراءات لتهميش التركمان وضع بريمر جميعها موضع التنفيذ. مثل غض الطرف عن الشعبية الهائلة التي تمتاز بها الجبهة التركمانية في كل منطقة يعيش فيها التركمان في العراق. ولم تتوان من التنكيل بهم بسبب سخطها على قرار البرلمان التركي في عدم دخول العراق مع القوات الأمريكية. فكان التركمان الشماعة التي علقت عليها حقدها وسخطها على تركيا التي قررت عدم دخولها الحرب إلى جانب الجيش الأمريكي، في حين أن تركيا دولة مستقلة ولها سياستها الخارجية، ولا يهم التركمان من قريب أو بعيد التقاء هذه السياسة أو عدم التقائها مع المصالح الأمريكية. فالتركمان ببساطة مواطنون عراقيون اصلاء ويريدون تمتعهم بحقوق المواطنة الكاملة في وطنهم دون (منة ) أو (مكرمة ) من أحد.
عام مر والعراق لا يزال يعاني من انعدام الأمن بل وترديه يوما بعد يوم. وما الالتفاف المفاجيء حول مقتدى الصدر رغم أن الكثيرين قد لا يتفقون مع آرائه السلفية وطروحاته، ولكن حاجة الجماهيرية العراقية إلى صوت شريف لمواجهة التردي والظلم والقطط السمان في مجلس الحكم على حساب مستقبل العراق وإرادته الحرة في إقامة عراق موحد، حر يكفل للجميع حقوق وحريات المواطنة بدلا من الطائفية والمحاصصة والنسب، زادت من رقعة التأييد لحركة مقتدى الصدر والالتفاف حولها في كل ربوع العراق.
إن إنجازات بريمر خلال عام تنحصر في فوضى عارمة نرى صورها كشهود إثبات في كل لحظة على الفضائيات، في دستور يريد يعزز الطائفية ودكتاتورية الأقلية. فمتى يغض بريمر وربعه آذانهم من الاستماع إلى حلفائهم المحليين من ذووي الحظوة لديهم في تقييم أوضاع العراق حسب رأي وأهواء وتقييم هذه الفئة؟ ليخطو بعده أولى خطواتها في إيقاف النزيف في الفلوجة وكربلاء وهدير الفوضى والدمار في المدن العراقية الأخرى. وسط كل الصور التي تدعو إلى التشاؤم، نتفاءل وننتظر أن ترى إدارة بريمر واقع العراق بعينين بدلا من عين واحدة كما يريد ذلك منه بعض المنتفعين في مجلس الحكم وبعض الصهاينة؟