نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) في عددها الصادر بتاريخ ١٣ نيسان الجاري مقالة تحت عنوان (العراق: الاتحاد الاختياري (الفيدرالي) ضمانة للسلم والمصالحة) للسيد مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس مجلس الحكم لشهر نيسان.
لا يطرح البرزاني في مقالته شيئا جديدا بل يردد ما اعتدنا على سماعه من الإعلام والأحزاب الكردية في كل مناسبة، عن كون الفدرالية الخيار الأمثل لحكم العراق.
وفي معرض حديثه عن الفدرالية يشير البرزاني
إلى تطبيق النموذج الفدرالي في عدد من الدول مثل: الإمارات العربية المتحدة والهند وكندا وسويسرا وبلجيكا وأسبانيا. . لكن فات الزعيم الكردي كاك مسعود أن ينورنا فيما إذا كانت بين شعوب هذه الدول أقلية يحق لها إسقاط قرار دستوري يتفق عليه الأغلبية في الجمعية الوطنية أو البرلمان، وفيما إذا كانت ثمة أقلية في هذه الدول التي ذكرها أثنيات تعاني من عقدة مزمنة في أن أي قرار يتفق عليه الأغلبية سيكون بالضرورة ضد مصلحتها، خاصة إذا كانت هذه الأقلية تشارك في صنع القرار السياسي وتشارك بفاعلية في إدارات مؤسسات الدولة وتشغل أهم الحقائب الوزارية كما هي عليه حال إخوتنا الأكراد بعد زوال حكم الطاغية ؟
يعتبر البرزاني (قانون إدارة العراق) أفضل ما صدر في العراق بل في الشرق (!) وهو محق في ذلك كل الحق لأنه ليس ثمة دستور يتضمن مثل هذا الإجراء الغريب الذي يمنح لأثنية قومية حق إفشال قرارات دستورية يتم اتخاذها بالأكثرية.
كما يبدي البرزاني استغرابه من اعتراض البعض على ماسماه (ضمانات دستورية) أي الفقرة (ج) من المادة (٦١) والتي يعتبرها ضمانة لعدم فرض رأي الأغلبية على الشعب الكردي!
وفي الحقيقة ما اسماه كاك مسعود باعتراض (البعض) على تلك الفقرة عبارة تنقصها الدقة. فالاعتراض على هذه الفقرة قائمة من قبل جميع الأحزاب والحركات الوطنية في العراق. ومن غريب الصدف أن يأتي أحد هذه الاعتراضات من الصحفي الأمريكي توماس فريدمان وفي نفس العدد من (الشرق الأوسط) ١٣ نيسان الجاري الذي نشر فيه السيد مسعود البرزاني مقالته.
حيث يشير فريدمان في مقالته المعنونة (٣ رسائل من الفلوجة إلى بوش. . والقادة العرب ونحن ومجلس الحكم) إلى حق استخدام الفيتو الممنوح للأكراد حول الدستور النهائي فيقول حرفيا:
((. . وأنا لا أشعر إلا بالاحترام لأكراد العراق. إنهم يتمتعون بروح ديمقراطية. ولكن في النقاش في مجلس الحكم حول دستور العراق المؤقت تخطوا الحدود، وارتكب فريق بوش خطأ فادحا في السماح لهم بذلك التخطي، عبر إعطاء الأكراد سلطة استخدام الفيتو حول الدستور العراقي النهائي. وأعتقد أن الأكراد يحتاجون إلى شكل من الحماية وهذا حقهم. وسأدعم أية ضمانات أميركية لهم. ولكن الكثير من الشيعة المعتدلين، الذين يتزعمهم آية الله السيستاني، يشعرون بأن الدستور العراقي المؤقت يميل بصورة بعيدة إلى حقوق الأقلية، على نحو غير عادل. .))
ولا يكتفي فريدمان بذكر تحفظه، بل يحدد بوحي من ضميره الصحفي بضرورة إعادة النظر (وهو أمر لم يجرؤ أحد من الساسة في العراق على طرحه) في المادة المذكورة قائلا:
((. . وإذا كان للدستور المؤقت أي أمل في تجاوز هذا النزاع ليكون مقبولا من جانب الأغلبية الشيعية المعتدلة فانه بحاجة إلى أن يعاد تعديله، عبر حوار بين زعماء الأطراف المختلفة في العراق ومعنا. والا فان الانتقال المستقر للسلطة مستحيل. .))
لا اتفق مع الكاتب في ضرورة إعادة النظر في الدستور المؤقت ليكون مقبولا من جانب الشيعة فقط بل ليكون مقبولا من قبل كل العراقيين الذين يعترضون على هذه المادة وغيرها.
أشكر المستر فريدمان لكونه أكثر شجاعة وضميرا من ممثلي مجلس الحكم الذين لم يطرحوا حتى الآن أي طرح وطني يجنب العراق الويلات والمشاكل.
الفقرة (ج) من المادة (٦١) التي تعزز دكتاتورية الأقلية، في نهاية الأمر ليست قدس الأقداس حتى لا يجرؤ أحد على المساس بها!. . فمن أجل مصلحة العراق وشعبه كل شيء قابل للنقاش والتغيير والتطوير، والا فالديمقراطية التي أصبح ينادي بها الجميع في العراق سيبقى حبرا على ورق.
مرة أخرى شكرا مستر توماس فريدمان!