مثل كل الأمم الأخرى للتركمان أيضا ميثولوجياتهم الخاصة بهم التي تروي أساطيرهم وملاحمهم قبل انتقالهم من آسيا الوسطى على شكل موجات في مراحل تاريخية متعددة بدأت في ٥٤ هجرية ،واستمرت في العهدين الأموي والعباسي والسلجوقي ودولتي (قره قويونلو )و(آق قويونلو).ومن أهم هذه الملاحم ملحمة (أوغوزخان) التي تروي فتوحات الحكام الترك وغزواته بدءا من الصين وصولا إلى إيران والى بلاد القوقاز. وتعود تاريخ هذه الملحمة الى فترة ۱۲٦ ق.م.وتوجد في المكتبة الوطنية في باريس أقدم نسخة لهذه الملحمة ،وهي النسخة الخالية من التأثيرات الاسلامية موضوع بحثنا ،وهذه النسخة مكتوبة باحدى الابجديات التركية القديمة المعروفة باسم الابجدية " الاويغورية ".ولنقرأ أولا هذه الملحمة بنصها الأصلي الخالي البصمات الاسلامية :
ولد اوغوز أزرق الوجه،أحمر الفم كالنار الملتهبة،شعره أسود كالليل المظلم.رضع من ثدي أمه ثم عزف عن الرضاع ،شب عن الطوق في أربعين يوما .كان جسده كالذئب ،وصدره كالدب.عندما بلغ عهد الصبا ،خرج الى الغابة ليصرع وحشا هائلا كان يهاجم الدواب والناس ،وتمكن من القضاء عليه .
في مرة من المرات وهو يناجي ربه،حل الظلام فجأة وأنسل من السماء نور أزرق.في هذه الأثناء تراءت له فتاة باهرة الجمال ،اذا افتر ثغرها، كما تقول الأسطورة ابتسمت السماء الزرقاء ،واذا بكت ،امطرت السماء حزنا .تعلق اوغوز بها وهام حبا .لم يلبث أن تزوجها فأنجبت له ثلاثة بنين النهار (كون) القمر (آي) والنجم (يولدوز(
وذات يوم خرج (أوغوز) الى الصيد ورأى في وسط بحيرة ،شجرة في جذعها فتاة وجهها كالسماء ،جميلة كالنهار المشرق ،أحبها وتزوجها ورزق منها السماء(كوك)والجبل (داغ) والبحر (دنيز(
أعلن أوغوز نفسه حاكما على قومه فأطاعه البعض وعصاه آخرون ،فسار على العصاة .في صباح يوم دخل قباءه ذئب أغبر وخاطبه قائلا " هيا اتبعني،وسر الى عدوك " فتبع أوغوز وجنده الذئب .والتقى الجمعان ،فانعقد النصر لأوغوز في تلك الحرب والحروب الأخرى.
وكان بين مستشاري أوغوز شيخ حكيم اسمه " التركي الكبير ـ أولو تورك " الذي رأى في منامه قوسا ذهبيا وثلاثة سهام فضية ،وقد أمتد القوس من المشرق الى المغرب وضربت السهام في ظلمة الليل .في صباح اليوم التالي روى الحكيم حلمه على القاغان (الرئيس أو الحاكم) قائلا:
)) أيها القاغان فليمنح الرب (كوك طانري) الأرض التي رأيتها في الحلم لبنيك ((
جمع القاغان وأمر تلاثة من أولاده أن يذهبوا الى مشرق الشمس ،والثلاثة الآخرين أن يذهبوا الى منشأ الليل .انطلق كل منهم الى الجهة التي اشار اليها أبيهم القاغان .أتى ثلاثة منهم بأقواس ذهبية فقسمها بينهم ،وأحضر الثلاثة الآخرون ثلاثة سهام فضية وزعها عليهم.ثم جمع القاغان الديوان (قورلوتاي)وأقام الأفراح لأربعين يوما وليلة.وخاطب أولاده قائلا:
" يا فلذات كبدي لقد عشت كثيرا ،وحاربت كثيرا،أبكيت أعدائي ،وأسعدت أصدقائي،وقدمت كل شيء قربانا للإله ،وأعددت لكم الملك ".
طرأت على هذه الملحمة تغييرات تناسبت مع التغييرات التي مر به المجتمع التركماني عامة والتركي عامة.
تقلب الترك قبل إسلامهم في أديان عديدة أثناء تحولهم من طور العشائر الى القبائل وحتى تأسيس دول امتدت في مناطق واسعة ،آمنوا في البداية بالطوطمية ثم الشامانية فالبوذية والمسيحية على المذهب النسطوري.
بعد دخول التركمان في الاسلام اعتبارا من القرن التاسع الميلادي وحتى القرن الحادي عشر الميلادي.لم يعرفوا منذ دخولهم الإسلام وحتى بداية عصر القوميات في أوربا وحتى بداية القرن العشرين لم يعرفوا قومية غير الإسلام الذي فرض طابعه على الملاحم التركمانية ومنها ملحمتنا ملحمة (أوغوز(
الطابع الاسلامي لملحمة أوغوز
يولد "أوغوز" مسلما ،رافضا أن يرضع من ثدي أمه ثلاثة أيام حيث يدعوها للإسلام قائلا" لا أرضع ثديك ،وأفضل الموت جوعا اذا لم تعلني اسلامك " وبسبب حبها وتعلقها الشديد به تعلن امه الإسلام .وحينما يشب عن الطوق يطلب أبوه منه أن يتزوج من بنات عمه فيرفض أوغوخان لبقائهن على عبادة الأوثان .وبينما هو كعادته في الغابة يتعبد يرى احدى بنات عما آخر له فيدعوها للإسلام فتقبل ويخطبها له أبوه وهو لا يعلم أنه أسلم وترك دين آبائه.وفي يوم يكتشف أبوه أن ابنه اسلم وصبا عن دين أجداده فيأمر بقتله لكن عروسه تسرع الى الغابة وتبلغه بمكيدة أبيه ،فتدور حرب طاحنة بين الخاقان (قارخان) وجمعه من الكافرين وبين ابنه " اوغوزخان "وجمعه من المؤمنين .فيصاب أبيه بسهم مجهول في عينيه ،ويقضي نحبه بينما يتبوأ " أوغوزخان " المؤمن عرش أبيه فينشر الإسلام بين قومه ،ويحارب في سبيل إعلاء راية الإسلام في كل مكان .
ملحمة ماناس
كما تعتبر ملحمة (ماناس) التي تصور شجاعة وبسالة القادة التركمان قبل اسلامهم ضد أعدائهم من الملاحم التي تعكس أهمية التأثير الاسلامي ،فبعد اعتناق الاسلام يبدأ (ماناس) بطل الملحمة بمحاربة أعداء الاسلام من الكفار والمجوس في كل مكان بعد أن كان يحارب سابقا أعداء قبيلته (الأوغوز) ينقلب الى بطل يحارب في كل مكان في سبيل اعلاء راية الاسلام.
ملحمة (ده ده قورقوت(
تتألف الملحمة من ۱۲ قصة تربطها شخصية الراوي (ده ده قورقوت ) وهي كمعظم الملاحم التركمانية تتحدث عن مغامرات وسير أبطال ۱۲ عشيرة تنتمي الى قبيلة (أوغوز)، وفي الوقت الذي يشير فيه المؤرخ الأذربيجاني جمشيدوف الى قدم الملحمة قدم التاريخ السومري والفرعوني الا أن الملحمة التي عن الخلق وأخبار الأسلاف والحرب والسلام والتسامح الديني تكشف بوضوح تأثير الاسلام على الكثير من المعتقدات والتقاليد للمجتمع التركماني من خلال حروب (الأوغوز) ضد الروم والجورجيين (الكرج) في سبيل اعلاء راية الاسلام
.
العراق وبغداد في دائرة الضوء
دخلت أرض الرافدين ملتقى العديد من الحضارات الإنسانية، تحت الإدارة العثمانية أول مرة بعد دخول السلطان سليمان القانوني بغداد في ١٥٣٤ ومرة ثانية في ۱٥٤٦. حيث بقيت تحت هذه الإدارة لمدة تناهز الخمسة قرون. وقد خلدت بغداد منذ ذلك التاريخ في تراث الثقافي العثماني. وكان شاعر التركمان الأعظم فضولي البغدادي يعيش في تربة الوطن العراقي (في عراق العرب ـ حسب تعبير الشاعر نفسه) أثناء احتلال العثمانيين للعراق، وهو الذي خلد بغداد والنجف وكربلاء والحلة وعلمائها وأئمة الشيعة في قصائده.
وهناك شعراء آخرون ولدوا في أرض العراق ومنهم (روحي البغدادي) في القرن السادس عشر إضافة إلى (عاشق سليمان) و(عاشق بغدادي).
كما لايمكن أن تغفل الذاكرة الشاعر أحمد هاشم الذي ولد في بغداد، وحقق مكانة هامة في الشعر التركي. والذي ظل يسجل في قصائده عن بغداد التي غادرها طبيا صغيرا، وظل يتحدث بلوعة عن دجلة، وأم المريضة التي تنتظر إيابه:
ثمة امرأة في الساحل
تحمل طفلا مريضا
تبحث وسط الضباب
عن ميلادك أنت
أما سليمان نظيف الذي شغل منصب والي بغداد من أيلول ۱٩۱۳ وحتى كانون الأول ۱٩۱٤ فقد كتب في (فراق العراق) فقد عن انطباعاته وحبه للعراق. وكانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت عند تعيينه محافظا لبغداد، عندما غادرها لتستلم إدارتها الإدارة عسكرية في ۱٩۱٥.
يعتبر الرحالة التركي المعروف أوليا جلبي أول من تحدث عن العراق في كتاب الرحلات الذي يتألف من عشرة أجزاء.، عن العراق (بغداد المؤلفة من ٧٥ ناحية والمناطق الأخرى) وفي نهاية الجزء الرابع يتحدث عن سكان بغداد:
"أهالي بغداد من ذوي البشرة الحنطية على الأغلب، ووجوه جميلة. أما نساؤها فذات جمال خلاب، لهن أهداب كالرماح ووجوه نورانية، جميلات كالشمس. وفيها شعراء وشيوخ مبجلون: المفتي زين العابدين أفندي ومحمود أفندي ابن غراب أفندي وهو صاحب علم وعرفان. وشعراء بلغاء لهم أربعون ديوان وأصحاب بلاغة. وأخص بالذكر جلبي شيخ زاده صاحب اللسان الذرب وبالي ضيائي جلبي والملا زاده ومحمود أفندي غربا"
كما سجل محمد خورشيد باشا الذي فوض إليه ولسنوات عديدة حل المشاكل الحدودية مع إيران في كتابه (سياحتنامه يي حدود) انطباعاته عن زيارته للبصرة وبغداد والموصل. وقد تم طبع الكتاب في ۱٨٦۰. و سجل علي بك، المدير العام في دائرة الديون العمومية في كتابه (سياحت جورنالي) في ۱٨٩٨. رحلته التي استغرقت ثلاثة أعوام، بدأها برحلة نهرية في نهر دجلة حيث زار الموصل، وتوجه منها عن طريق النهر إلى تكريت، سامراء، الأعظمية ومنها إلى بغداد. وقد تحدث في يومياته عن البدو الرحل في أطراف دجلة والفرات. كما تحث عن زيارته لكربلاء وطاق كسرى التي زار فيها قبر سلمان باك، وتوجه منها إلى الحلة وكفل والكوفة والنجف. كما زار خلال رحلته أطلال جنائن بابل. بعد مكوثه في بغداد لمدة ثلاثة أعوام عاد عن طريق النهر متوجها من بغداد إلى البصرة ومنها إلى بومباي ثم عاد منها عن طريق البحر إلى استانبول.
كما زار العراق الكاتب والطبيب جناب شهاب الدين (۱٨٧۰ ـ ۱٩۳٤) كمفتش صحي وكتب في كتابه (أفاق العراق) في ۱٩۱٥ الذي تحدث فيه عن زيارته للعراق و العديد من دول الشرق الأوسط. أما النائب إسماعيل حقي بك (۱٨٧٦ ـ ۱٩۱۳) فقد سجل في كتابه (عراق مكتوبلرى ـ رسائل العراق) رحلته من غلاطه بباخرة النيجر إلى بيروت ومنها إلى دمشق وحلب ودير الزور وبغداد. وقد تحدث عن فقر القبائل وانتشار الفوضى وانعدام الأمن، وفي نهاية الكتاب يتحدث المؤلف عن الأهمية السياسية لولاية البصرة.
كما كتب علي سعاد في كتابه (العودة من العراق) عن رحلته التي بدأت من ديار بكر في ۱٩۱٦ وتواصلت إلى بغداد والبصرة ومنها إلى الاسكندرون وانتهت باستانبول. كما تحدث أحمد مختار باشا في كتابه (دليل الحضارة) عن الطبيعة الجغرافية للمنطقة الممتدة من استانبول إلى بغداد. وفي كتاب (أنقرة ـ لبنان ـ بغداد) لصلاح الدين أمين في ۱٩۳٤.
لم يتوقف اهتمام الرحالة والمثقفين الترك بالعراق في الربع الأول من القرن الماضي بل تواصل إلى يومنا هذا فقد أصدر الشاعر المعروف حسن حسين عام ۱٩٧٤ كتاب (في طريق بغداد ـ البصرة) تحدث فيه عن زيارته للعراق على اثر دعوته للمشاركة في مهرجان مربد الشعري، ويبدو فيه متأثرا بالهالة الإعلامية التي كانت تحيط بالعراق في تلك الفترة، ورغم اهتمامه الذي يبديه في الكتاب بما يحدث في العراق إلا أنه لا يخفي في الكتاب المتناقضات الصارخة التي شاهدها خلال الزيارة بين ما كان ينادي به البعثيون من جهة من شعارات براقة نظريا، وبين انتهاكات عديدة على أرض الواقع.
في عام ۱٩٧٧ أصدر الكاتب الساخر عزيز نسين كتابه (العالم قدر وأنا مغرفة) تحدث فيه عن انطباعاته لزيارته إلى العراق، تلبية لدعوة موجهة إليه من قبل اتحاد الأفروأسيوي عام ۱٩٧٦، والكتاب زاخر بالعديد من الانتقادات للنظام البعثي، والذي انتبه إليها نسين منذ تلك الفترة، وقد تحدث في الكتاب بإسهاب عن التركمان والانتهاكات الصارخة لحقوقهم الإنسانية من قبل النظام البائد، وبذلك يعتبر أول كاتب تركي يساري أهتم بوضع التركمان، منتقدا ومستنكرا وبصوت عال، الحملة العنصرية التي يتعرضون لها من اجل مسخ هويتهم وتراثهم ولغتهم.
بغداد في التراث الشعري التركماني العراقي
في القصيدة الحادية عشرة من ديوانه يقول أمير الشعر التركماني فضولي البغدادي (۱٤٩٥ ـ ۱٥٥٦) عن بغداد:
" تربتها تحمل عبق الفردوس. كل بلد يجب ان تسلم مقاليد أمرها إليها، فبغداد مدينة الأولياء. كل شبر من أرضها المقدسة تضم ضريحا لحبيب من أحباء الله. بغداد تحمل في جنباتها الخير، إنها نعمة من نعم الخالق. وآيات معجزة النبي الكريم جلية فيها. طاق كسرى فيها والمكان الذي حكم منه أعز الخلفاء الراشدين. توقفت صولة سيف سلطان الروم في هذه الأرض. مد الإمام علي (كرم الله وجهه) ظله الكريم من على هذه الأرض. سر الحق في استشهاد شهيد كربلاء تجلى هنا. صواب الأشياء وخطائها يبدو هنا واضحا وجليا. فيض الإمام الأعظم انتشر من هنا. إنها منزل معروف الكرخي ومسرح توجدات جنيد البغدادي. هنا نصبت مشنقة الحلاج واعدت أغلال بهلول المجنون هنا. أصداء الدعاء والخير والضراعات والإحسان والسخاء تمتد من هنا. كم من كريم كرم حاتم افترش هذه الأرض. انها مكان لوصال ليلى بالمجنون وآلاف العشاق. كم عاشق مثل فرهاد وشيرين نهلوا كؤوس العشق في هذا المكان.
بغداد موطن لكل غريب ورقيق. هواؤها العليل دواء لكل نبتة. أثبتت الأيام ان الظلم لا يجد له سكنا فيها، الظالمون تعساء في ربوعها بغداد عين للأقاليم السبعة. النور الذي يضيء سراج العدالة. مياهها تهب الحياة لكل ماهو جميل وعادل. مدينة نشوتها دائمة، نعمتها أزلية، فضاؤها نعمة للعافية، نسيمها العليل دواء لكل نفس. جدران قلعتها تاج السماء. بغداد خميرة الخير للأرض المعطاءة. أرضها النقية فراش وثير لأحباب الله. لكل عالم فيها موقف، ولكل علم فيها محطة. أناسها فضلاء يحمون أرضها شبرا شبرا. بغداد ورقة من نسخة الخالق، يسطر عليها قوانين العدل والإنصاف.
هل ثمة غرابة ان يضم ثراها آلاف العشاق مثل فرهاد؟،ان يتجلى على صفحاتها جمال شيرين؟ إذا كانت أعاصير الفتن قد أحرقت في كتاب الكون كل الصفحات، فالصفحة الأزلية باقية في هذه المدينة، تحيط بها الملائكة من كل جانب لنصرة الخير وهزيمة الشر. لا غرابة لو آلت كل هذه الصفات إلى ينبوع زلال للعدل وإنصاف، فبغداد وأرضها المقدسة ساقية للكوثر. . "
ومن الذين تغنوا ببغداد الشاعر (روحي البغدادي وهو أهم شعراء التركمان في القرن السادس عشر والذي يقول عن بغداد:
بغداد درة
من يتمكن من تدمير بغداد؟
وهي التي تفني أعداءها أولا!
ومن شعراء القرن التاسع عشر عثمان نورس الذي يعتبر ابرز شعراء عصره:
لا تختر الغربة وطنا، حتى لو هدم الوطن
فلابد حتى لو هدم أن يعود العمران إليه
(نورس) يقول لكل من يهوى الصين والروم
بغداد لك الوطن لو كنت من العشاق
بغداد دار وفاء للعشاق
في غياب يوسف يرى(نورس) بغداد
كيعقوب دارا للأحزان والأتراح.
وعن بغداد كتب الشاعر هجري ده ده (۱٨٧٧ ـ ۱٩٥۲) قصيدته المعروفة ببغداد:
بغداد
بغداد قمة الحسن وزهوة الكون
زهرة الكبرياء، وقلب السماء
بغداد، كاسرة الأغلال دوما
ودار السلام و مأوى الجيش المظفر
بغداد الحق، هي الزوراء
ودار السلام، وفيحاء الفردوس
بغداد، نبع الحياة والخلود للموتى
في نهره العطايا والمنايا والحياة
بغداد فردوس الحضارات، وزهرة المدن
روضة التاريخ، وملاذ المستجير في المحن
من ذا الذي لا يهيم بها عشقا كالمجنون
مادامت هي (ليلى) في صحراء الهيام؟
وهناك في التراث الشعري التركماني آلاف من الخوريات (نمط من الشعر الشعبي المغنى) لكتاب مجهولين عن بغداد يترنم بها المغنون منذ قرون، لا يزال يترنم التركمان بها في أغانيهم:
وصل قارب الفراق إلى بغداد
وبكى القلب دما
ابك يا فؤادي ابك
ها قد حان أوان الفراق
ولا يقتصر اهتمام تركمان العراق بعاصمتهم بغداد بما تقدم ذكره من النماذج، بل لا تزال حية ونابضة في أمثالهم الأمثال الشعبية التركمانية وما أكثرها:
ـ لا يسأل العاشق عن بغداد
ـ لا حبيبة كالأم ولا ديار مثل بغداد
ـ الحساب الخاطيء يرجع من بغداد
ـ لو ملكت عسلا فسيأتيه الذباب من بغداد
ـ تعمير بغداد (كناية عن الأكل بعد طوى)
ـ بغداد معمورة (كناية عن الشبع)
هل يستمع الإبراهيمي في العراق إلى صوت الأغلبية الصامتة؟
يزور الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، مبعوث كوفي عنان الخاص العراق في ظروف سياسية حرجة وحاسمة من تاريخ وطننا المثخن بالجراح، لدراسة إمكانية إجراء انتخابات في العراق، بعد أن أصبح دولة بلا مؤسسات أو مقومات الدولة الحقيقية.
الأخضر الإبراهيمي، رجل سياسة من الطراز الأول، مشهود له بالكفاءة في حل المشاكل المستعصية بنجاح، تشهد بذلك جهوده في أفغانستان والبوسنة وكوسوفو. حيث تم تكليفه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة للقيام بهذه المهام بسبب امتلاكه خزينا من الخبرة في كيفية التعامل مع الملفات السياسية المعقدة.
لا شك ان الإبراهيمي، بحكم هذه الخبرة يعلم علم اليقين أن مجلس الحكم لا يمثل العراق تمثيليا حقيقيا، لأن أعضائه معينين من قبل السيد بريمر، ولم يصلوا إلى كراسيهم نتيجة انتخابات شعبية. كما ان التمثيل في المجلس لا يعكس جميع أطياف وفئات المجتمع العراقي المغيب من المجلس، بعد أن أرغم الأغلبية الصامتة البقاء خارج قاعة المجلس. الأمر الذي أتاح لبعض أعضائه اللاهثين في ظل الغياب الحقيقي لدور الدولة إلى محاولة التهام الجزء الأعظم من العكعة العراقية قبل ان يستعيد الوطن وعيه وإرادته الحقيقية. وان يستغل زعماء بعض الأحزاب المعينين في المجلس إلى محاولة تمرير مخطاطاتهم غير الوطنية القائمة على استغلال الظروف الاستثنائية الحرجة التي يمر بها العراق، لتحقيق مصالح حزبية وأثنية ضيقة ا لا تتلاقى مع مصلحة الوطن.
من مهام السيد الإبراهيمي، الحذر من الفخ الذي قد ينصبه له بعض أعضاء مجلس الحكم، بعد ان أصبحوا مهرة في التزوير والتضليل وإباحة كل الوسائل والسبل غير الشرعية لتحقيق مأربهم في الحصول على منافع، ومصالح أوسع على حساب المصلحة العامة للشعب العراقي.
ان تغييب صوت الأغلبية العراقية الصامتة من أحزاب وحركات وطنية ومنظمات مهنية غير ممثلة في المجلس لن يستمر إلى النهاية. فاليوم ليس بالأمس، والأمس ليس باليوم، والغد العراقي بالتأكيد لن يكون بالتأكيد نسخة من العراق الحالي الجريح، المطعون، الذي يحاول الانتهازيون والمنتفعون من الظروف غير الطبيعية، استغلال خيراته ومقدراته لمصالحهم الشخصية والحزبية التي لا تلتقي مع مصلحة الوطن، ومصلحة غالبية قطاعاته الجماهيرية التي يحاول البعض إدامة الوصاية وفرض الصمت عليها وتهميشها. وحجم الممارسات المرتكبة في المحسوبية والمنسوبية في توزيع المقاعد الوزارية على أقارب أعضاء مجلس الحكم لا يمكن ان يستمر.
ان الإبراهيمي النظيف النية والذمة في مهمة صعبة، وهو سيسجل نجاحه في مهمته حينما يحرص للاستماع إلى صوت الأغلبية الصامتة من الشعب العراقي بكل أطيافه وأحزابه دون تمييز، ودون ان يؤثر على تقييماته لواقع الحال في العراق بعض الجهات المستفيدة في مجلس الحكم، من استمرار الأوضاع المتردية في العراق، والتي تعمل بكل جهدها على تهميش دور بعض الأطياف الأساسية في العراق وفي مقدمتها التركمان وممثلهم الشرعي الجبهة التركمانية، وكذلك الأحزاب الوطنية والتنظيمات الوطنية العراقية المغيبة عن المجلس.
مهمة صعبة حقا، نأمل أن يكون السيد الإبراهيمي كما قال أحد الصحفيين ( أقوى من الخديعة ) وأذكى ممن سيحاولون تضليله وفرض آرائهم عليه، بحجة ان مصلحة العراق تتطلب ذلك.
ان مصلحة العراق هي في بقائه موحدا من زاخو وحتى الفاو، وان تكون أبواب مدنه دون استثناء مفتوحة لكل أبنائه ودون استثناء أيضا، وان لا تكون الصورة البائسة التي نراها من حزبية ضيقة
ومحاولات الاستحواذ تحت شتى الذرائع على مدنه وثرواته، قدر شعبنا وصورة عراق المستقبل.
أهلا بالسيد الإبراهيمي، وعلى بركة الله !
فتح الله كركوكلي وصور تأبى أن تغادر الذاكرة
مسيرة العمر، مزدحمة بذكرى مناضلين، تحتل صورهم الصدارة في القلب والروح. في مقدمتهم، صورة الشهيد الطيار آيدن مصطفى، الذي قضى عامين طالبا في كلية الإدارة والاقتصاد بأربيل (وهو برتبة عقيد)، ولقاءاتي معه، ورحلتنا سوية بسيارته إلى بغداد، حدثني خلالها الكثير عن حياته ونضاله واعتزازه بتركمانيته. وكان لقائي الأخير معه في بيته بكركوك بعد عودته من دورة للطيران في أذربيجان قبل إعدامه.
علمت فيما بعد من الأخ والصديق العزيز البروفيسور الدكتور سعد الدين أرگيچ (خال زوجة الشهيد) أن جلاوزة الأمن قد أبلغوا زوجته أن عليها أن تهيئ البيت لأن زوجها عائد بعد غياب ستة أشهر إلى داره. في صباح اليوم الموعود وكانت قد أعدت طفلتيها لتكونا في استقبال والدهما، فوجئت زوجته، بوصول جثمانه داخل تابوت. أذهلتها المفاجأة فما كان منها إلا أن فتحت غطاء التابوت و صرخت بطفلتيها:
ـ تعالا وانظرا ماذا فعل صدام بوالديكما. تعالا وانظرا ولا تنسيا ذلك أبدا!
لا أزال أتذكر صورة أزل عبدالرزاق، الذي حكم بالسجن عشر سنوات بسبب وشاية أقرب المقربين إليه، بحجة انتقاده عند تمتعه بالإجازة العسكرية القدرة القتالية للدبابات العراقية في الحرب مع إيران. ، خلال مشاهدته مع أعز أصدقائه برنامج (صور من المعركة)، فقضى عشر نوات من عمره في سجن (أبو غريب) بسبب ذلك.
كما أتذكر صورة صباح عزيز و زميله نجم الدين قصاب اللذين سجنا بنفس المعتقل لمدة عشر سنوات أيضا. وصورة سعدون كوپرلو الذي قضى عشرين عاما في السجن دون أن يستفيد أي منهم من قرارات العفو، التی أعتاد صدام على إصدارها بين فترة وأخرى، حيث كان يستثني منها التركمان الذين اعتادوا على إنهاء فترة محكومياتهم كاملة دون نقصان.
وفي الذاكرة صورة شاهين قصاب، الذي وشى به أيضا أقرب المقربين مشجعا إياه على الفرار من العسكرية ومن العراق، وبعد أن أقنعه بذلك وشى به لدى الأمن، فتم إلقاء القبض عليه قبل أن يركب سيارة الأجرة من أمام منزله، حيث حكم بالإعدام من قبل محكمة الثورة. و صورة صديق العمر الشاعر عصمت اوزجان، الذي عذب في معتقلات بغداد وتم ربطه بواسطة كماشات على السقف لفترات استمرت عدة أشهر. فنتج عن حالته تقيح الكوعين وشلل مؤقت في اليدين. ثم نفي إلى اربيل. حيث ظل عاشقا لمدينته وتراث شعبه وهويته الوطنية حتى آخر لحظات عمره. وصورة محمد علي آيدن الذي عذبه المجرمون باستخدام الكلاب لنتف لحيته وهم يصرخون ويضحكون على آلامه بوحشية ويشتمونه ويصفونه بأقبح الألفاظ.
وفي الذهن، الصورة التي ذكرها لي جنكيز محمد نعمت عن ابن عمه اتيللا أحمد نعمت، وإعدامه، وتسليم جثته إلى ذويه بعد ستة أشهر من تنفيذ الإعدام به، فأمر الإمام بدفنها دون غسلها لتفسخ الجثة تماما، وقد انفصل قدمه عن ساقه أثناء إنزال جثته إلى القبر، فدفنت معه إلى جانب جثته!
فتح الله كركوكلي
لكن ثمة صورة متعلقة في ذهني، تأبى أن تنطفئ أو تختفي رغم السنين. قصة ذكرها لي أحد أقارب القائد عمر علي بطل معركة جنين، في معسكر سيلوبي بتركيا، التي قضيت فيه عاما مع أفراد أسرتي، أتذكر شخصيا هذه القصة بأسى وشجن.
قال لي:
في طفولتي كنت أرافق أبي زيارته لدارة (عمر علي) قائد القطعات العراقية في قاطع جنين بفلسطين عام ١٩٤٨، وكان يرافقنا أحيانا (عبدالكريم كوله من، المطرب فيما بعد) الذي خدم في قوات عمر علي كنائب ضابط . ونظرا لرخامة صوته فقد أختاره القائد كمؤذن، وكمنشد للأناشيد الحماسية لإثارة همة المقاتلين. ما أذكره من تلك الأيام أيضا، وجود صورة كبيرة معلقة في غرفته للزعيم الفلسطيني عبد القادر الحسيني بطل معركة القسطل.
من ضمن الروايات المؤثرة التي كان يرويها لأبي، قصة لقائه بالشاويش الكركوكلي في القدس، ولهذا اللقاء قصة شجية لا أزال أتأثر كلما تذكرتها:
في زيارة لعمر علي مع بعض ضباطه إلى مسجد الأقصى لصلاة الجمعة استرعى انتباهه وجود رجل كهل بملابس رثة، يمشي جيئة وذهابا قرب جدران المسجد، مرفوع الهامة. وحينما سأل عنه قالوا، أنه محارب عراقي يطلق عليه أهل القدس اسم (الكركوكلي) لكونه من مدينة كركوك. وهو لا يزال يعتقد بأنه شاويش في الجيش العثماني. حيث انه فضل البقاء في القدس ولم يعد إلى بلده العراق.
بعد خروج عمر علي من المسجد توجه نحو الكهل، وما أن رأى الرجل العجوز عمر علي مقبلا نحوه وهو يلبس ملابسه العسكرية. حتى وقف أمامه مؤديا له التحية العسكرية ومقدما نفسه:
ـ الشاويش فتح الله كركوكلي سيدي!. .
بش عمر علي في وجهه قائلا:
هل تحتاج إلى شيء يا عمي؟
وأتاه الجواب كالصاعقة باللغة التركمانية:
ـ پاشام!ارجو أن تقول لقائدي برهان الدين باشا قائد فرقة المشاة في الكتيبة (الفلانية)، إنني لا أزال أقوم بواجبي كالعادة في حراسة المسجد الأقصى!
اغرورقت عينا عمر علي بالدموع أمام منظر هذا الرجل الذي توقف الزمان في ذهنه، لكن الشعور الوطني بأداء واجبه العسكري، والذي يلتزم به من طلوع الشمس حتى مغيبها كل يوم دون كلل، في حراسة المسجد الأقصى لم يزل نابضا وحيا، رغم مرور عقود على انتهاء الحرب العالمية الأولى. .
التركمان الذين يحبون لغتهم وتراثهم وهويتهم الوطنية، يحبون العراق. ولنا في سير شهدائنا ومناضلينا عشرات القصص التي تؤرخ وتوثق هذا الحب العميق.
هوامش من زمان مضى
أصغيت إلى الموال، كبرت مع المقام، واختلطت بذاكراتي مقامات حسن خيوكة، وصديقة الملاية التي لم أعرف أصولها التركمانية إلا بعد أن استمعت إليها تغني القوريات في تسجيل نادر من القسم التركماني لإذاعة بغداد. أثرت قصائد السياب مساحة الحلم في حياتي، وأوسعت قصائد الماغوط بحار التمرد في أعماقي على كل ما هو مألوف. ظل علي الوردي، الراوي الجميل الذي يمتعني بحكاياته البغدادية عن المجتمع العراقي في ذلك الزمن الجميل. كانت قصص التكرلي، ونخلة غائب طعمة فرمان، وجيرانه تطغي على صورة (باجي دولت) أشهر عانس في محلتنا التي أتذكر زغاريدها المجنحة، والتي لا تزال ترن في الذاكرة عند استقبال المغفور له الملك فيصل الثاني في طريق عودته من مصيف صلاح الدين، لدى مروره من تحت قوس مزدان بالزهور يقيمه كل سنة الأسطة (هوبي) صاحب معمل الطابوق الذي يقع في الطريق الذي يمر منه موكب الملك، بالقرب من (ملا عبدالله تپه سي ـ تلة ملا عبدالله(.
في يوم اشترى(اَيدن) حفيد (أحمد اَغا) جهازا صغيرا لعرض الأفلام. وطلب لكل من يريد الفرجة عشرة فلوس طرت إلى بيت أحمد اَغا أثرى رجل في محلتنا. كل شيء فيه كان عكس بيتنا الطيني البائس. هناك صالة كبيرة، وغرفة خاصة لأيدن، وحنفية وسط الحوش، ومصابيح كهربائية في كل أرجاء البيت. أطفأ اَيدن مصباح الغرفة بين تهليل الأطفال وصياحهم. ظهرت على قطعة الخام الأبيض صورة فأر مذعور، يطارده بشراسة قط ضخم. كان الفيلم صامتاً. قال اَيدن:
ـ هذا الفأر اسمه توم، والقط اسمه جيري.
قلت له:
ـ لماذا لا ينطقان؟
قال بغضب:
ـ تدفع عشرة فلوس حقيرة، وتريد أن تتفرج على فيلم ناطق! هذا جهاز عرض بسيط. لو كنت تملك سبعين فلساً اذهب إلى سينما حقيقية!
صمت مرغماً فقد كنت أخشى أن يطردني، ويحرمني من هذه المتعة. فقد كان أطفال المحلة يخشونه، لأنه حفيد أحمد اَغا الذي يملك مقهى باسمه، ودار سينما صيفية اسمها سينما النجوم. كان توم مستمراً في مطاردة جيري. لكن الفيلم انتهى بانتصار توم. ما لبث أن أصبح ذلك نهاية الأفلام الثلاثة التي شاهدتها. توم يطارد، وجيري ينتصر.
في يوم أيقظتني أمي من النوم على غير عادتها. كان الديك الذي قطع عرفه، أخي محمد بموسى حادة كي يفوز في عراك الديكة بالمحلة، لأن العرف هو أضعف نقطة لدى الديكة في العراك الذي سرعان ما يدمى، فيضطر صاحبه للفرار. كان الديك يصيح بينما مكان العرف المقطوع، لا يزال متخثراً بالجراح. قالت لي أمي:
ـ هيا إلى المدرسة!
وجرتني معها إلى مدرسة المستنصرية التي كانت تلاصق بيتنا الطيني. سلمتني إلى مدير المدرسة (خالد بك) الذي قادني إلى صف مزدحم بالطلبة وقال بلهجة آمرة:
ـ هذا هو صفك. ستأتي صباح كل يوم، وتجلس هنا!
بدأ الدرس الأول. كان المعلم هو نفسه خالد بك بسدارته اللامعة، وأناقته، ووجهه المستدير اللامع. كان يمر كل يوم من أمام دارنا إلى المدرسة. بدأنا بتعلم الأرقام. كنا نردد ما يقوله خالد بك:
ـ واحد: بيردير، اثنين: إيكيدير، ثلاثة: اوچتور.
لأول مرة في حياتي تعلمت أن (بير) بالتركمانية، يعني واحد، وأن (ايكي) يعني اثنين، وأن (اوچ) يعني ثلاثة.
طلسم مغلق نجحت في اقتحامه من أول يوم. أخذت اردده في البيت كالنشيد. واحد: بيردير، اثنين: ايكيدير، ثلاثة اوچتور.
منذ ذلك اليوم، وأنا أتغنى بلغتي!
ثلاثة سينايرهات لفيلم واحد
بدأوها خطوة خطوة.
فضائيات، مؤسسات تربوية جيش منظم، وكلها مؤشرات على قيام دولة كردية فعلية. غير أنه وبسبب المعارضة التركية، الإيرانية والسورية، يضطر الأكراد للإعلان أنهم يخططون لمشروع الدولة الفدرالية.
إليكم القصة من البداية:
بعد أحداث ۱۱ أيلول تحققت عدة لقاءات بين الأمريكان والأكراد.
اللقاء الأول:
المكان واشنطن ـ مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، الزمان:تشرين الثاني ۲۰۰۱
أول لقاء بين ممثل البرزاني هوشيار الزيباري، وممثل الطالباني بهرام صالح، مع المسؤولين الأمريكيين. ثمة سؤال للأكراد: هل ستنظمون عملية هجوم ضد العراق؟ يرد الأمريكيون: لنفرض ذلك. ماهي خططكم أنتم بهذا الصدد؟
الجواب: لتقم أمريكا بقصف مكثف أولا، سنقوم نحن بعده باحتلال الموصل وكركوك. بعد إسقاط نظام صدام، سيتم تشكيل حكومة جديدة.
ينتهي اللقاء بطلب معلومات تفصيلية لفترة ما بعد صدام.
اللقاء الثاني:
المكان قاعدة جوية في ضواحي برلين. التاريخ: نيسان ۲۰۰۲.
اجتماع سري بين ممثلي البرزاني والطالباني مع الأمريكيين حول مناقشة الوضع العراقي بعد إسقاط نظام صدام.
تفاصيل الخطة: تأليف دولتين فدراليتين في العراق. إحداها في الجنوب، والأخرى كردية في الشمال. تضم الفدرالية الكردية:كركوك، السليمانية، أربيل، دهوك، شيخان، عقرة، سنجار، خانقين، مندلي وبدرة مع إعلان كركوك كعاصمة للفدرالية الكردية التي تتمتع باستقلال ثقافي واقتصادي وتعليمي، تنسق مع الفدرالية العربية في الشؤون الدفاعية والخارجية مع تمتعها بحرية كاملة في إقامة علاقات خارجية مع دول العالم.
اللقاء الثالث:
الزمان:ليلة ١٩ آذار / مارس ٢٠٠٣، المكان فندق شيراتون بأنقرة
ثمة مفاوضات ساخنة تدور في الطابق الحادي عشر بفندق شيراتون، بين زلماي خليل زاده ممثل الرئيس بوش، وبين ممثلين عن الجبهة التركمانية.
زلماي يلح على الجانب التركماني لإرغامه على قبول موضوعين أساسيين مقابل موافقة الإدارة الأمريكية بتمثيل التركمان، بممثلين في الإدارة العراقية المؤقتة التي ستتشكل في العراق (بعد إسقاط نظام صدام)
١ـ اعتراف التركمان صراحة بخارطة إقليم (كردستان).
٢ ـ الاعتراف بقرارات مؤتمر صلاح الدين.
وكانت الجبهة قد تحفظت على قرارات مؤتمر صلاح الدين، ورفضت التوقيع عليها عكس أحزاب المعارضة العراقية التي وقعت على تلك المقررات. لأن الاتفاقية كانت تنص على إعلان الفدرالية في العراق بعد سقوط نظام صدام. وكانت الجبهة التركمانية التي ترفع شعار وحدة الأراضي العراقية ترى بأن ذلك قد يؤدي مستقبلا إلى انقسام العراق.
طالب ممثلو التركمان من زلماي خليل زاده، إعطاءهم مهلة زمنية للتفاوض مع قيادة الجبهة التركمانية حول الموضوع.
حدد زلماي الذي كان صبره نفذ هذه المدة، بأربع ساعات فقط لإبلاغه بقرارهم النهائي!
جاء جواب التركمان حاسما:
ـ لا للمطالب التي يحاول زلماي تمريرها كشروط أمريكية للحصول، على اعتراف رسمي من الجبهة التركمانية بالموافقة على المطالب الكردية!
ومانراه من تهميش أمريكي مقصود للتركمان اليوم بعد احتلال العراق، لا يأتي إلا لرفض الجبهة التركمانية الرضوخ لضغوطات زلماي خليل زاده في تلك الليلة الساخنة، ليلة ۱۹ آذار ۲۰۰۳.
الأحداث التي تتابعت في العراق بعد سقوط الطاغية، أثبتت ان السيناريوهات دخلت مرحلة التنفيذ. لكن الأحداث برهنت أيضا أن الفيلم الأمريكي، الذي أبعد التركمان فيه عن القيام بدورهم الرئيسي، لم يشهد إقبالا جماهيريا كما كان ظن الظانون، فالمسيرات الجماهيرية تؤكد أنه يواجه وسيواجه الفشل الذريع بدل القبول الجماهيري.
مثل هذا الفيلم لا يمكن أن ينجح في العراق، لأن حسابات كتاب السيناريو كانت خاطئة، لأنهم لم يضعوا في سيناريوهاتهم احترام خيارات الشعب العراقي في انتخابات واستفتاءات يضع الوطن الجريح على الطريق الصحيح، دون مزايدات ودون مزاعم، ودون محاولات إحقاق الباطل، وسيظل العراق أكبر من السيناريوهات التي تعد مسبقا في الغرف المغلقة!
مصر أول الغيث، والبقية تأتي
يبدو ان العام الجديد سيحمل في طياته الكثير من المؤشرات الايجابية، التي ستنعكس على المسيرة السياسية لتركمان العراق. وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال الرحلة التاريخية الهامة لرئيس الجبهة التركمانية الدكتور عبدالله عبدالرحمن ورفاقه، الى مصر مؤخرا.
وقد توجت هذه الزيارة الهامة بلقاء العديد من الشخصيات المصرية وعلى رأسهم وزير الخارجية أحمد ماهر والسيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية. تم خلالها التأكيد، على ضرورة حماية وحدة الأراضي العراقية، و عدم السماح لأية فئة بالتحكم في مصالح مجموعة أخرى أو ممارسة القمع وانتهاك حقوق الانسان ضدها، واعتبار مدينة كركوك مدينة عراقية مهمة، لايجوز تحكم فئة معينة في مصير ومقدارات هذه المدينة الاستراتيجية، التي يجب أن تكون مرتبطة بالحكومة المركزية.
ولعل أهم نقطة في هذه المباحثات، هي موافقة السلطات المصرية على فتح مكتب للجبهة التركمانية في القاهرة على غرار مكتبي الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني.
ان انفتاح التركمان على الدول العربية يجب أن لا ينحصر بمصر، بل يجب ان يستمر ليشمل الأردن وسوريا ولبنان والسعودية ودول الخليج العربي. لتمكين هذه الدول من قراءة الصورة الوطنية لتركمان العراق بعيدا عن تزييف المغرضين وتشويه الحاقدين، الذين يخشون من احتلال التركمان موقعهم الحقيقي في العراق.، وتصديهم للمشاريع المشبوهة التي تستهدف أمن وسلامة ووحدة العراق ومستقبله.
لقد كنت ولا أزال من أشد المؤمنين والمؤيديين بضرورة انفتاح الجبهة التركمانية وحوارها مع كافة القوى والأحزاب العراقية، باعتبار مثل هذا الانفتاح حيويا وهاما، لتعريف هذه القوى بالوجه الحقيقي الوطني والمسالم والمحب لانتمائه العراقي لتركمان العراق، وللخروج من حالة التقوقع والعزلة التي يتهم التركمان بها من قبل أكثر من محلل ومعلق سياسي. بل أن الضرورة تتطلب الحاح الجبهة على لقاء السيد الباچه چی رئيس مجلس الحكم الحالي، والسيد بريمر من أجل أن يحتل التركمان مكانتهم الحقيقية في صورة العراق المستقبلية وفي الحقيقة ما يدعو الى التفاؤل هو ظهور تباشير مثل هذا التغيير في مسيرة التركمان السياسية منذ انتخاب القيادة الجديدة للجبهة في مؤتمرها الأخير بمدينة كركوك . حيث اختيرت العاصمة بغداد مركزا لنشاط الجبهة التركمانية، مع احتفاظ مدينة التركمان التاريخية كركوك، بمركز الصدارة في هذه النشاطات.
كما تجلت صورة التآخي العربي ـ التركماني في أروع صورها بعد حوادث طوزخورماتو المؤسفة، وكررت نفسها في المسيرة الجماهيرية التي انطلقت مؤخرا في كركوك في يوم الأربعاء الدامي، وسقط فيها شهداء وجرحى . ومن الضروري تتويج هذه المرحلة السياسية للجبهة، باصدار صحيفة عربية مركزية في بغداد (مع استمرار صدور جريدة ـ تركمان ايلي ـ في أربيل)، تعكس اضافة الى التطورات السياسية الحالية في العراق، كل ماله مساس بالشأن العراقي والتركماني، يشارك فيها كتاب عراقيون وعرب. تكون صوت الحق في هذا الزمن الرديء الذي يعمل فيه البعض على احقاق الباطل، ونسف كل ما فيه مصلحة العراق وازدهاره ورفعته، ومواصلة التآمر على الواقع التركماني في العراق.
غالبريث مهندس الفدرالية الكردية، وتساؤلات مشروعة
البروفيسور الأمريكي بيتر غالبريث (سفير أمريكا الأسبق في زغرب) هو مهندس الفدرالية الكردية ومستشارهم في إعداد الدستور.
والمتتبع لمحاضرات ومقالات غالبريث سيرى أن ما تنادي به القيادتان الكرديتان هو طبق الأصل وبحذافيره ما يطرحه غالبريث. في مقالته المعنونة (كردستان والعراق الفدرالي:الكيان الكردي الجديد في العراق ) المنشورة في (تينك ـ تانك) في تشرين الثاني ۲۰۰٣، حيث يستشف أن الأكراد يطبقون حرفيا ما يورده غالبريث في مقالته هذه:
((.. الأكراد لا يريدون إعلان استقلالهم، لأنهم يريدون (حكم العراق) من خلال إصرارهم على ضرورة تمثيلهم في أي حكومة عراقية تشكل مستقبلا عن طريق المناصفة في توزيع المسؤوليات الحكومية والحقائب الوزارية، حيث سيصرون على أن تكون نسبتهم في التمثيل الحكومي ٥۰٪، إضافة أنهم سيصرون على ضرورة بسط سيطرتهم الكاملة على شمال العراق..
لقد أبدى الحزبان الكرديان (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني ) تعاونا لا مثيل له في تشكيل جبهة موحدة في المباحثات الخاصة بالدستور العراقي، الأمر الذي سيحقق لهم الغلبة في تلك المباحثات.
المفاوضون الأكراد سيصرون على كردستان موحد برلمانيا وتشريعيا من خلال الإصرار على تشكيل جهاز للأمن والشرطة والتعليم، خاص بهم و تحويل قوات البيشمركة إلى قوات كردية نظامية خاضعة لسلطة رئيس الإقليم الكردي. وسيكون ذلك بالنسبة لهم بمثابة حزام أمان ضد أي اعتداء محتمل من قبل الجيش العراقي،الذي ظل يهاجم الأكراد لمدة ٨۰ عاما. كما سيستثمر الأكراد الثروات الطبيعية المستغلة (النفط) وغير المستغلة،إضافة إلى استغلالهم مصادر المياه تماما كما هو الأمر في كندا.
ان الأكراد بعد تحقيق كافة هذه المكاسب،سيصرون على المطالبة بمبدأ المساواة الكاملة برلمانيا ودبلوماسيا وبيروقراطيا في كل المؤسسات الرسمية العراقية،مع الإصرار على اعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية الثانية في العراق تماما مثل الثنائية اللغوية التي تتمتع بها الأقلية الفرنسية في كندا، والتي لا تتجاوز نسبتهم السكانية ۲۰٪ من مجموع السكان... ))
فجوات في أفكار غالبريث
يضع مهندس الفدرالية الكردية نموذجين أمامه في طرح أفكاره، النموذج الأول نموذج البوسنة والهرسك، وخاصة بالنسبة لإقامة جيش نظامي للدفاع عن المنطقة الكردية، فالمعروف ان تشكيل جيش في البوسنة تم بموجب اتفاقية (دايتون)التي أشرفت عليها أمريكا. أما النموذج الفدرالي الذي يقترحه غالبريث للأكراد، فهو نسخة طبق الأصل من النموذج الفدرالي المعمول به في منطقة (كيبك) الكندية للأقلية الفرنسية. لكن أفكار غالبريث الفدرالية لا تخلو من فجوات سنعمل على إيراد البعض منها.
واقع( كيبك) الكندية لا يعكس واقع العراق
أولا، بالنسبة لنموذج البوسنة والهرسك فان الواقع في شمال العراق، لا يشابه البتة مع ما كان قائما في البوسنة والهرسك ، حيث لم يعد الأكراد مهددين، بل يعتبرون بما غنموه من أسلحة الجيش العراقي (بمباركة أمريكية ) قوة عسكرية ضاربة تملك ترسانة هائلة من الأسلحة،. ثم لماذا الافتراض أن أي حكومة عراقية مقبلة بعد سقوط نظام طاغية العراق ستبادر إلى ابادتهم؟ ان التأثير القوي والكاسح للأكراد في مجلس الحكم وأي حكومة مقبلة يبدد مثل هذا الافتراض.
ثانيا، بالنسبة لاختيار النموذج الكندي، كنموذج لتحقيق الفدرالية الكردية والاستشهاد به، فان الواقع السياسي والاجتماعي والاثني في العراق حاليا يتنافى مع الآخذ بهذا النموذج ذلك لأسباب التالية:
۱ـ إن خيار الشعب الكندي لفدرالية (كيبك) لم يتم في ظروف الحرب وفي ظل احتلال وفوضى ودمار وخراب وغياب مؤسسات الدولة كما هو حاصل الآن في وطننا. الأقلية الفرنسية بكندا، لم تستقو بقوات أجنبية على الشعب الكندي لتحقيق مكاسب قومية، كما هو عليه الحال في المشهد الكردي في العراق حاليا.
۲ ـ الأقلية الفرنسية في كندا، هي الأقلية الوحيدة فيها، على عكس الحالة الموجودة في العراق، الذي تنتشر فيها اثنيات يجب أن تتمتع بنفس الحقوق، نظرا لكثافتها السكانية (التركمان، القومية الثالثة في العراق والثانية في شماله، إضافة إلى الآشوريين والعديد من المذاهب والطوائف)
٣ ـ ان الدول المجاورة للعراق، تختلف سياسيا واجتماعيا عن الدول المجاورة لكندا. وهي دول تتأثر مصالحها من أي تطور سياسي يحدث في العراق. كما جاء مؤخرا في تصريح الرئيس السوري بشار الأسد.
٤ ـ تم منح الفدرالية للأقلية الفرنسية بمنطقة (كيبك ) في كندا نتيجة تصويت شارك فيه الشعب الكندي، بينما يريد الأكراد تغييب إرادة الشعب العراقي في هذه المسألة البالغة الحيوية، ويصرون على فرض مطلبهم هذا كأمر واقع لابد منه دون الرجوع إلى تصويت الشعب العراقي بحجة انه خيار الشعب الكردي. وهو الأمر الذي لم يحصل في كندا. ناهيك أن العراق حاليا يعاني من مشاكل لا حصر لها سياسيا وإداريا واجتماعيا بسبب غياب دور الدولة. والأكراد يعملون على انتهاز فرصة الضعف العراقي لتحقيق أكبر عدد ممكن من المكاسب. لقد توجهت الحكومة الكندية إلى الشعب لإقرار دستور الفدرالية، بينما تأبى القيادتان الكرديتان الركون الى هذا الخيار الديمقراطي، بحجة ان ما يطلبون به هو قرار الشعب الكردي وبرلمانه، وهو قرار لا يجب أن يناقش عراقيا. ويتساءل المرء: إذا كان الشعب الكردي جزءا من الشعب العراقي فلماذا لا يتم الانتظار لحين اقامةحكومة مستقرة في العراق، والبت في هذه القضية بعد أن يستعيد الوطن عافيته بعد انتخابات ديمقراطية؟ لماذا كل هذا الخوف من صحوة الشعب العراقي ومحاولة فرض الإرادة عليه بالقوة، وهو (أي العراق) لا يزال في غرفة الإنعاش؟
٥ـ الأقلية الفرنسية في كندا لم تطالب بمناطق جغرافية ومدن بزعم انها تقع ضمن جغرافية المنطقة الناطقة بالفرنسية، على العكس من أكراد العراق الذين يحاولون فرض أحلامهم التوسعية بالقوة على مدينة كركوك (النفطية) العراقية، التي لم تكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ القديم أو الحديث تابعة لهم. كما أن الأقلية الفرنسية في كندا لم (تفرنس ) أية منطقة كما يعمل الأكراد على (تكريد )كركوك بدعوى عائديتها إلى جغرافية كردستان،ولم تطلق النار على أبناء وطنهاكما يعمل الأكراد أثناء مواجهة التظاهرات التي تواجه ادعاءاتهم المزعومة.
ترى هل غابت هذه الوقائع التي يعيشها العراق عن ذهن مهندس الفدرالية الكردية البروفيسور غالبريث ، وهو يخطط ويفكر لتلامذته؟ شخصيا أشك في ذلك. لكنه فرض سياسة الأمر الواقع في زمن غياب الدولة العراقية ومؤسساتها.
أمريكا تدلل عملائها دائما. . ولكن لبعض الوقت
أمريكا تفرط في تدليل حلفائها وعملائها والمتعاونين معها حكاما كانوا أن أحزابا أو أفراد. ولا تبخل عليهم بأي شيء مهما غلى ثمنه وارتفع قيمته ماديا أو معنويا، ماداموا يساهمون في خدمة مصالحها السياسية والاستراتيجية. في التعامل الأمريكي تأتي المصلحة دائما في البداية. طبعا المقصود مصالحها هي.
أمريكا تدلل عملائها حتى يظن هؤلاء بعد فترة من زمن أن كل شيء مسموح لهم، وأن السيد الأمريكي سخي سخاء لا حدود له، وان ليس هنالك من خطوط حمراء أو مناطق ملغومة في مساحات تعاملهم مع العم سام. ويبلغ من دلال هؤلاء في الذهاب الى الاعتقاد بعد ملء خزائنهم بالدولارات الخضراء والحسابات المنتفخة في البنوك السويسرية، أن كل طالباتهم مجابة ومطاعة حتى لو كان غير مشروعة.
يصل الابن المدلل الى ذروة نشوته حينما يتوهم أن شهر العسل مع أمريكا، إنما هو شهر دائم غير محدد بثلاثين يوما بل بـ ٣٦٥ يوما يتجدد ذاتيا كل عام الى أبد الآبدين. وأن أولاده وأحفاده وذريته سيظلون متمتعين برضا العام سام لسابع ظهر، وأن ينابيع الذهب والفضة ستسيل ولا تنضب.
لكن رأس الابن المدلل في يوم ما سيفاجأ يرتطم بجدار قاس، يعيد إليه ذاكرته المفقودة، وتطير نشوة الانتصار ومظاهر القوة والخيلاء من أعماقه حيث يرى نفسه في مرآة الواقع بعد سماع صوت انفجار مدو في داخله، على أثر انفجار بالونة الوهم الذي ظن لغبائه أنه لن ينفجر، وأن هذا البالون سيظل ينتفخ باستمرار حتى يستقيم ظله على الجبال والوديان والأنهار.
مرحلة اكتشاف هذه الحقيقة مريرة مرارة العلقم، هي نهاية شهر العسل الأمريكي، حيث يكتشف الابن المدلل أن زواجه الأمريكي لم يكن كاثوليكيا.
هنا في هذه المرحلة ينتهي شهر العسل إلى غير رجعة. . بعد أن كان ا لابن المدلل يتوهم بأنه أبدي،. . آنذاك سينتهي الدور الذي رسمه دهاقنة CIA له. حيث يكتشف بعد فوات الآوان أن المصالح هي الأساس دائما في قاموس التعامل الدولي.
على الأكراد الذين يرسمون لأنفسهم اليوم في العراق حجما أكبر من حجمهم وواقعهم، أن يدركوا أنهم بالنسبة لأمريكا ليسوا أفضل من شاه ايران، الذي أرغموه بعد انتهاء دوره في الفلم الإيراني ـ الأمريكي المشترك إلى مغادرة وطنه باكيا. . كما انه ليسوا بأهم من صدام الذي خدم أمريكا كما لم يخدمها رئيس آخر، حينما حارب إيران لثماني أعوام واحتل الكويت وكان من نتائجه تواجد القوات الأمريكية في بلدان الخليج إقامة دائمة، وفي نهاية دوره الذي انتهى أمريكيا فتح بغداد على مصراعيها لتدخلها قوات التحالف دون ضجة. رغم كل ذلك وبسبب انتهاء مصلحة العم سام مع صدام، أنهت أمريكا دور حليفها العراقي القوي، نهاية مأساوية حيث أظهرته للعالم أجمع وهو مختبيء مثل فار مذعور في حفرة ببادية العوجة!
على الأكراد المدللين أمريكيا، أن يعرفوا بأن أمريكا تدلل البعض كأبن مدلل لبعض الوقت وليس لكل الوقت، وأن عمر هذا الدلال مرهون بانتهاء مصلحتها.
إسقاطات على التعاون الكردي ـ الصهيوني
الدعم الصهيوني الأمبريالي للحركة الكردية جاء كرد على كون العراق الدولة العربية الوحيدة التي لم توقع على اتفاقية الهدنة مع اسرائيل منذ عام ۱٩٤٨. لذلك كان من الطبيعي أن يقدم الكيان الصهيوني الدعم للحركة البرزانية لأهداف وغايات معينة لعل أهمها اضعاف واستنزاف قوة العراق العسكرية ، وتقليص قدرتها لدعم أي مواجهة عربية للكيان الصهيوني. ولعل اول كشف لحقيقة العلاقات الكردية ـ الصهيونية قد حدث في ١٩٦٨ حيث ذكر جان لارتكي في بحث بعنوان (اسرائيل الأخرى : الأكراد) مايلي " لم تقتصر المساعدات الاسرائيلية للبارزاني وأعوانه على الأسلحة والمعدات بل شملت خبراء عسكريين وأطباء ومدربين. وقد أكد لارتكي أيضا أن عددا من الضباط المظليين من (جيش الدفاع الاسرائيلي) عملوا مع البرزاني … وانهم أسسوا له شبكة مواصلاته ودربوا مقاتليه على أعمال التفجير والتخريب..ويقول أيضا "عندما حدثت الجنرال حاييم بارليف عن البرزاني ولقائه به في ١٩٤٦ في شمال ايران وهو ببذلة جنرال سوفيتي ،ابتسم بارليف وقال " أعرفه جيدا ،وقد تسلمنا منه برقية يهنئنا فيها بانتصارنا في ١٩٦٧ ". وقد قام البرزاني بتأسيس جهاز خاص للمخابرات يدعى (البارستن) برئاسة نجله مسعود البرزاني بهدف تعزيز العلاقات مع الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية ومخابرات الشاه (السافاك). حيث تم تأسيس (البارستن) بمعونة واشراف ضباط من الموساد الاسرائيلي الذين ظلوا يديرونه وينظمون نشاطاته حتى انهيار البارزاني الحاسم في ١٩٧٥".
ويذكر شموئيل سيجف في كتابه (المثلث الأيراني : العلاقات السرية الاسرائيلية ـ الايرانية ـ الأمريكية) ان وزير المالية الاسرائيلي أرييه الياف ،قد توجه بطلب من اشكول في نهاية عام ١٩٦٦ الى شمال العراق لأقامة مستشفى ميداني متطور كهدية للبرزاني مع طاقم من الاطباء الاسرائيلين بناءا على طلب من البرزاني لأنه كان يعاني من الم في اسنانه. وأن البرزاني حمل رئيس الوفد تحياته قائلا " ابلغ اشكول رئيس وزراء اسرائيل بأننا نحن الأكراد لن ننسى أبدا انكم أنتم اليهود كنتم الوحيدين في العالم الذين ساعدتمونا في ساعة المحنة " ثم بعث معه خنجرا كرديا كهدية الى رئيس الكنيست الصهيوني كاريش لوز. ويقول المؤلف أيضا في حديث له مع بعض العسكريين الاسرائيلين " شاهدت بأم عيني ضباطا اسرائيلين يقومون بتدريب المسلحين الأكراد. وان البرزاني كان يعتمد على الاسرائيلين ،وان ضابطا اسرائيليا كان يلازمه باستمرار وينقل نفس المصدر عن الكاتب المصري المعروف محمد حسنين هيكل قوله " كان الضباط الاسرائيليون العاملون في كردستان على اتصال لاسلكي دائم مع اسرائيل ، وكانوا يعملون في مجال التجسس داخل العراق".
بعد انهيار حركة البرزاني في ١٩٧٥ ، كشفت بعض الجهات الاسرائيلية عن علاقات التعاون بين الكيان الصهيوني والبرزاني حيث اعلن مناحيم بيغن في لقائه مع هيئة المدرسين في مدرسة الجنود في مستعمرة (جفعات اولغا) في ۲٩| ٩ | ١٩٨۰ ، ان اسرائيل قدمت الدعم للبرزاتي طوال عشر سنوات ١٩٦٥ ـ ١٩٧٥ والذي اشتمل على الأموال والأسلحة والتدريبات وتبادل المعلومات. وكان ذلك اول اعتراف رسمي اسرائيلي عن حقيقة التعاون الصهيوني ـ البرزاني. وكتبت صحيفة (معاريف) في ۳۰ \ ٩\ ١٩٨۰ تقول " ان تصريح بيغن حول المساعدات الاسرائيلية للبرزاني هو أول اعتراف رسمي لهذا التعاون الذي استمر عشر سنوات كاملة " وجاء أيضا ان شمعون بيريز كان اول شخصية اسرائيلية أجرت اتصالا مع بعض الأكراد المقيمين في أوربا في اطار مؤتمر اشتراكي عقد في سويسرا عام ١٩٦٤ ". وذكرت صحيفة (بديعوت احرنوت) في عددها الصادر في ۳۰|٩|١٩٨۰ حقيقة مريرة بقولها ".. وفي اثناء حرب الأيام الستة في سنة ١٩٦٧ لم يخيب الأكراد امل اسرائيل في الاعتماد عليهم. فقد نجحوا اثناء هجومهم على الجيش العراقي في مشاغلة وصول بعض قطعاته العسكرية الى الأردن للانضمام الى الحرب ضد اسرائيل ". وعادت صحيفة (معاريف) للتأكيد في عددها الصادر في ١\١۰\١٩٨۰ أن البرزاني خلال زيارته لاسرائيل في أيلول عام ١٩٧٥ وفي زباراته الأخرى والمتكررة التقى بغولدا مائير وموشي ديان وايغال آلون. كما أن الصحيفة نفسها كشفت أن نسفي زامير قد زار كردستان العراق لترتيب أمور وأوضاع المدربين العسكريين الذين كانوا يعملون هناك. ونشرت صحيفة (هاآرتس) مقالا بعنوان (اسرائيل في كردستان(، أكدت فيه الحقائق السابقة حول عمق صلات التعاون والتنسيق بين الكيان الصهيوني والبرزاني. وجاء في المقال أن مرافقا اسرائيليا كان يقيم مع البرزاني في نفس مقره ، وكان يعمل في نفس الوقت ضابطا للأتصال بينه وبين تل ابيب. وأن التعاون الصهيوني ـ الكردي قد تعاظم في أواخر الستينيات واوائل السبعينيات.كما جاء في كتاب (قصة جندي) لرفائيل ايتان الذي يرد فيه مايلي " ان البرزاني وولده كانا قد زارا اسرائيل ومكثا فيها فترة من الزمن " ولم يكن ايتان الشخصية الصهيونية البارزة الوحيدة التي زارت البرزاني بل هناك رئيس الموساد مائير آميت وايير ايليف عضو الكنيست ونائب رئيس الوزراء السابق في ١٩٦٥ ومسؤول المخابرات الاسرائيلية تسفي زامير وكثيرون غيرهم.
بالأضافة الى ما تقدم كانت الوفود البرزانية لا تنقطع عن زيارة الكيان الصهيوني عن طريق ايران. وقد حرص الكيان الصهيوني على ارسال مساعدات مالية شهرية للبرزاني كانت تتراوح بين ۲۰ ـ ٥۰ الف دولار.
لم ينف حتى الذين كانوا في مواقع متقدمة في الحركة الكردية العلاقة مع الكيان الصهيوني فقد ادلى الدكتور محمود عثمان(أحد أعضاء مجلس الحكم حاليا) والمستشار الأول للبرزاني الأب ، الأبعاد الحقيقية لعلاقاتهم مع الكيان الصهيوني . فقد جاء في مقابلة أجراها معه فائق الشيخ أحمد ونشر في مجلة الوسط (العددين ۲٨٩ و۲٩۰ عام ١٩٩٧) مايلي:
" لقد تضررنا من العلاقات مع اسرائيل ،لأننا في الأساس كنا نطالب بحكم ذاتي داخل العراق ،وهو بلد عربي.ومن الخطأ استعداء العرب علينا. أما بالنسبة الى التصورات التي بناها الملا (يقصد البرزاني) في الوصول الى الولايات المتحدة من خلال اسرائيل فكانت وهما. لأن دول المثلث الثلاث كانت متفقة على كل شيء. وهو ما يتكرر الآن مع دول المثلث الجديد المكون من تركيا واسرائيل والولايات المتحدة.."
ويواصل الدكتور عثمان حديثه قائلا " علم الفلسطينيون بعلاقتنا باسرائيل بعد عام ١٩٧٥ بعد فشل الحركة الكردية.وبالتأكيد سربوا أخبارها الى من يودون اعلامهم بها. وفي الوقت نفسه أنفسهم سربوا علاقتنا الى السلطة العراقية. ويذكر أيضا " بدأت العلاقات معهم (أي مع الكيان الصهيوني) منذ مطلع العقد الستيني عن طريق كامران بدرخان وأخرين مثل شريف وانلي وصحفيين أجانب. واستطيع القول أن العلاقة بدأت تعطي ثمارها عام ١٩٦۲ فعليا عن الأرض.وقبل ذلك التاريخ.أي منذ بداية الحركة الكردية المسلحة.كانت القيادة الكردية كلها أقول " كلها " متفقة على ذلك ولاخلاف بين القياديين مطلقا لرفض العلاقة مع اسرائيل.(…) وعلى الرغم من الاختلاف بين رئيس الحزب الملا مصطفى البرزاني وسكرتير الحزب ابراهيم احمد على مواضيع كثيرة الا انهما كانا متفقين تماما على العلاقة مع اسرائيل.أما بالنسبة لي فاني دخلت في تلك العلاقة العام ١٩٦٥ ، وفي المكتب السياسي الجديد بعد انشقاق ابراهيم أحمد وجماعته. وحول أبعاد العلاقة الكردية ـ الصهيونية ،يقول الدكتور محمود عثمان "..كان الاسرائيليون يطلبون منا معلومات عن اشخاص فلسطينين وعن علاقات الحركة الفلسطينية بالنظام العراقي.اين يعيشون ،أماكن وأوقات تواجدهم أسماؤهم ، عناوينهم ،تحركاتهم..الخ لغرض احداث تفجير هنا او هناك او اغتيال.وكنا دائما نرفض ان نستجيب لهم" . ويواصل حديثه قائلا " لقد حصل تعاون استخباري مع اسرائيل ،لأن العلاقات بيننا كانت عسكرية ،مايعني أن هناك أسلحة وضباطا وخبراء موساد، وهي أكثر من سياسية حيث وعدونا بدعم قضيتنا في الولايات المتحدة.لكنهم لم يفعلوا شيئا يذكر لنا.الجهاز الذي كان يشرف على علاقاتهم معنا هو الموساد ، تماما كما هو الآن جهاز الأستخبارات التركية (ميت) الذي يشرف على علاقات الأكراد بتركيا حاليا. وكان بيننا (الكلام لا يزال لمحمود عثمان) تبادل معلومات لكن نطاقها كان حسب ما أتصور عراقيا. كان الاسرائيليون يطلبون منا معلومات عن الجيش العراقي ، وفي الوقت نفسه يزودننا بمعلومات عن تحركاته.حتى أن المستشفى الميداني الذي أقامه الاسرائيليون في كردستان ، كان من أهدافه جمع المعلومات الاستخبارية عن العراق لمصلحة اسرائيل ".
ويكشف الكاتب الأمريكي جوناثان راندل في كتابه (أمة في شقاق ، دروب كردستان كما سلكتها) بلا قصد منه كيف تلاعبت وتتلاعب القوى الامبريالية والصراعات الأقليمية بالمسألة الكردية. حيث يعتبر أن الأكراد استخدموا من قبل هذه القوى التي سرعان ماتتخلى عنها كما في الماضي القريب بعد استنفاذ مصالحها.و يعتبر المؤلف " اسرائيل الدولة الوحيدة التي تسعى الى انفصال شمال العراق.أما بالنسبة لأمريكا فقد أيدت الأكراد في البداية ثم عادت وتخلت عنهم عند قمع الجيش العراقي للأنتفاضة في ١٩٩١.وتخلت عنهم عند دخول الحرس الجمهوري الى الشمال مؤيدا مسعود البرزاني ضد جلال الطالباني"
ويذكر المؤلف " لم يسمع أحد عن القضية الكردية يوم كانت تركيا والعراق وايران أعضاء في حلف بغداد. بل سمع بهم بعد اعتراف عبدالكريم قاسم بهم دستوريا ، واعادة البرزاني الأب من منفاه السوفيتي "
ويشير المؤلف ان الصراع الذي يدور في شمال العراق هو صراع يدور بين التحالف الدولي من جهة ، وبين الحكومة العراقية من جهة أخرى. وتواجه السياسة الأمريكية مأزقا خاصا لأنها لا تسعى الى انفصال شمال العراق ، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تاجيج الصراع ودعم الأكراد مع الحرص على الاحتفاظ بهذا الصراع عند درجة معينة.ويؤكد " عندما تمكنت الطائرات العراقية من قمع الانتفاضة ،اضطربت حسابات كل الأطراف. واعتبر الأكراد ان الأمريكيين تخلوا عنهم. وعرض تلفزيون بغداد صور الطالباني وهو يعانق الرئيس العراقي ومعه الوفد الكردي المؤلف من مسعود البرزاني وبعض الشخصيات المعروفة في الحركة الكردية.وعندما اتهمت الصحافة الأوربية مسؤولا فرنسيا بتخلي الغرب عن الأكراد ،رد المسؤول الفرنسي على ذلك قائلا : لماذا كل هذه الحماسة للأكراد ، وهم ليسوا يهودا أو نصارى. وقد تورطوا في الحرب العالمية الأولى في المذابح التي ارتكبت بحق الأرمن".
ويذكر جوناثان راندل كذلك " عند خضوع شمال العراق (المنطقة الكردية فقط) كمحمية لسيطرة قوات التحالف بين الزعيمين البرزاني والطالباني بعد اقتسامهما المقاعد البرلمانية مناصفة ،أندلع قتال ضار بين الطرفين في منتصف آب ١٩٩٦.بدأ البرزاني مباحثاته مع بغداد ،بينما أجرى غريمه الطالباني محادثات مماثلة مع السلطات الايرانية. وأنهت قوات الحرس الجمهوري الصراع لصالح البرزاني. وقد سبق ذلك تحالف البرزاني مع الجيش التركي والطالباني مع الحرس الثوري الايراني." ويعترف راندل ان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تمول كلا الزعيمين الكرديين.
ولم يكن الوضع مختلفا في السابق حسب رأي المؤلف ، حيث يذكر ان مجموع المساعدات التي قدمتها واشنطن للأكراد عامي ١٩٧۲ و١٩٧٥ بلغ ١٦ مليون دولار. أنفق معظمها على شراء الأسلحة ،على أن ذلك كان يحدث في فترة المصالحة بين بغداد والأكراد. حيث تولى ذلك خبراء من أمريكا واسرائيل وايران.ويرى المؤلف ان الموساد في نشاطاتها كانت تهدف الى خلق المشكلات للأنظمة العربية. وكان ديفيد كيمحي يرى " أن اسرائيل ترغب في عدم تمكين الجيش العراقي من الأشتراك في أي حرب مقبلة مع العرب".
ويؤكد المؤلف أن غولدا مائير حينما علمت بلقاء ابراهيم أحمد سكرتير حزب البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) مع السفير الاسرائيلي والتر ايتان ،أسرعت بأصدار أمرها باقامة علاقات وثيقة مع الأكراد.حيث سافر ابراهيم أحمد بعدذلك الى اسرائيل ،وعاد وهو يحمل عشرين ألف دولار كمنحة شهرية. ولم يكد يمضي شهر على وصوله حتى وصلت اول شحنة من الأسلحة الاسرائيلية ، وبعدها توالت شحنات السلاح المختلفة ، كما تم انشاء مستشفى ميداني . ويذكر مؤلف كتاب (أمة في شقاق)أن الموساد اسهم في تأسيس جهاز المخابرات الكردية (البارستن) برئاسة مسعود البرزاني.وقد جنت اسرائيل حسب رأي المؤلف فوائد كثيرة من علاقاتها مع الأكراد ففي ١٥ آب ١٩٦٦ ساعد الأكراد الموساد في تامين تهريب الطيار العراقي منير روفا الى اسرائيل مستقلا طائرة ميغ ۲١ والتي كانت في تلك الفترة بمثابة لغز للاسرائيلين. كما اسهوا في نقل (الفلاشا الكرد) من اليهود المتبقين في شمال العراق الى اسرائيل. ويرد في الكتاب أن رجال الموساد اشتركوا في التخطيط للمعارك وقيادة بعضها في شمال العراق ضد القوات العراقية وهم متنكرون بالملابس الكردية.
أسهم البرزاني في اشعال خمس حروب أهلية على مدى السبع عشرة سنة التالية لعودته من المنفى السوفيتي. ويذكر الصحفي المصري مصطفى نبيل والذي التقى مع البرزاني عدة مرات في مقاله المعنون (دروب كردستان) ـ مجلة الهلال نيسان ١٩٩٨ ـ أن البرزاني منذ عودته الى العراق طبق المثل الكردي الشائع " القتال أفضل من البطالة " ،وظل يردد أمام زواره " اذا كانت ليبريا وجيبوتي دولتين مستقلتين ، فلماذا لا يحق للأكراد اقامة دولة مستقلة؟ ". ويذكر الكتاب المصري ، أن البرزاني انتهى نهاية مأساوية.عندما توفي مهزوما ومنفيا في مستشفى جورج تاون في واشنطن.بعد ان أهدر الكثير من الدماء ، ولم يحقق أهدافه. وبعد أربعين يوما من وفاته (والكلام للصحفي المصري) أقامت له اسرائيل حفلا تأبينيا في تل أبيب بوصفه حليف اسرائيل على مدى عقد من الزمن.وحضر حفل التأبين اسحاق رابين ورؤساء الموساد وعدد من ضباط الجيش الذين اشتركوا في العمليات السرية في شمال العراق. ويذكر الكاتب أن البرزاني ردعلىاعتراض وفد النساء الفلسطينيات حول علاقاته باسرائيل قائلا " أنا مثل الشحاذ الأعمى الجالس على باب الله لاأعرف على وجه التحديد من الذي يضع في يدي الصدقة ".
يقال أن (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين). لكن المتاجرين بالقضية الكردية أعتادوا أن يلدغوا من نفس الجحر ،ومن نفس الثعبان عدة مرات دون استنباط الدروس والعبر.ومن المؤسف أن الخلف يسير دون تردد في نفس طريق أسلافه.
المطلوب من أمريكا إيقاف تكريد مدينة كركوك، وإعادة الدخلاء إلى مدنهم
المطلوب من أمريكا بعد إعادة المرحلين فعليا من الأكراد والتركمان إلى كركوك، إجراء إحصاء سكاني في مدينة كركوك بإشراف دولي من الأمم المتحدة (وليس تحت اشراف أمريكي بعد ثبوت الانحياز الأمريكي الصارخ لصالح الأكراد) بعد إعادة الدخلاء عن هذه المدينة إلى المناطق التي أتوا منها ليتحدد على ضوئه تحديد عدد نفوس كل قومية حتى لا يبقى هذا الموضوع عرضة لاستغلال القوى الكردية الطامعة فيها، وحتى لا يبقى موضوع كركوك مشكلة مؤجلة قد تنفجر يوما في العراق الذي هو بأمس الحاجة إلى الأمن والهدوء والاستقرار، ولقطع الطريق أمام القيادة الكردية في استغلال هذه القضية فيها بدفع أعداد كبيرة من العوائل الكردية للمدينة بحجة أنهم من المهجرين منها، بهدف زيادة عدد نفوس الأكراد.
لعل من حق التركمان انتظار مثل هذا الموقف من أمريكا التي تحتل وطننا، وتتحكم في مقدراته، بعد أن أخذت تنحاز انحيازا مطلقا لصالح الأكراد الذين يعتبرون المستفيدين الوحيدين من الاحتلال الأمريكي ومن نتائج حرب الخليج الثانية.
يبقى من حق التركمان في العراق الانتظار، ان تتصرف أمريكا تجاههم كدولة حضارية، لا كدولة متشنجة ومنحازة، تغلب الانفعال على العقل والمنطق في مواقفها من التركمان، فالتركمان يناضلون من أجل نيل حقوقهم كأي قومية أخرى في العراق.
سيظل التركمان كعهد العراقيين الشرفاء بهم مخلصين لتربة الوطن. وهم يأملون أن تستعيد أمريكا وعيها، للتوقف عن غيها في محاولاتها تكريد مدينة كركوك الأبية، وعلى الأكراد أن يعلموا أن المصالح ليست دائمة بل متغيرة دائما، وأن لا ينسوا قط أنه مهما طال الزمن فالقوات الأمريكية سترحل في يوم ما، وأن الاستقواء بالأجنبي وعلى مر التاريخ القريب والبعيد، انتهى بالفشل والخذلان في كل بقاع العالم، وأن من مصلحتهم عدم نسف الجسور مع فئات الشعب العراقي. كما ان الضرورة تتطلب من الإدارة الأمريكية أن تتعامل مع التركمان معاملة ديمقراطية وموضوعية، وان لا تعكس من خلال مواقفها معهم سلبيات علاقاتها مع تركيا. وأن تنهي محاولات تكريد مدينتي كركوك والموصل بالعودة إلى موقفها من هاتين المدينتين إلى عام ۱٩٩۱ حيث احتفظت بهما خارج منطقة الحظر الدولية التي كانت تشمل مدن أربيل والسليمانية ودهوك. التركمان عراقيون. وعلى أمريكا أن تتعامل مع جميع الفئات القومية في العراق وفق منظور المساواة والعدالة. وأن تدرك بأنه ليس من مهامها تغليب قومية على أخرىكما تفعل الآن!
نهاية طاغية
شاهد الملايين من المشاهدين من على شاشات التلفزيون في كل بقاع العالم الحلقة الأخيرة من سقوط طاغية العراق صدام حسين، الذي أغرق وطننا في بحر من الظلمات والقتل والتدمير والحروب.
نهاية طاغية العراق ، تحمل في تلافيفها دروسا لكل من يتسول له نفسه أن يحكم العراق بالحديد والنار من زعماء الأحزاب العراقية من الممثلين في مجلس الحكم أو خارج مجلس الحكم. عليهم جميعا أن يستخلصوا العبر والمواعظ من هذه النهاية المخزية، ويعلموا أن حبل الظلم والقتل والدمار والطغيان قصير مهما طال الزمن، وأن الشمس لا بد أن تشرق مهما طال ظلام الليل ،واستبد ظلم الطغاة.
قيادات الأحزاب العراقية مدعوة إلى عدم تكرار تجربة صدام الخائبة . بعض الأحزاب مدعوة إلى التخلي عن أوهامها وشعاراتها العنصرية، باحتضان كل ذرة من تراب العراق، والإخلاص لحضارة هذا الوطن الجريح، والتآخي الحقيقي مع جميع قومياته . .وعلى الذين يستقوون اليوم بالأمريكان على جميع الفئات القومية العراقية، أن يعلموا أن دوام الحال من المحال..وأن لا خير إلا في الإخلاص للوطن والعمل على استقراره ولملة جراحاته، وايصاله إلى ضفاف الآمان والأمن والاستقرار.
التركمان ضحية السخط الأمريكي على تركيا
توجت أمريكا انحيازها للأكراد بمنحهم مدينة كركوك الأبية كمكرمة من خلال اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من خطوات غير مشروعة في سبيل تغليب الأكراد، والتقليل من شأن التركمان نكاية بتركيا التي اتخذت قرار عدم المشاركة في الحرب، رغم ان القرار التركي المذكور ساهم في مساعدة الأكراد على تنفيذ طموحاتهم التوسعية باعتراف البرزاني نفسه الذي قال:
" لقد نجحنا من تحقيق ٩۰٪ من أهدافنا بفضل عدم اشتراك تركيا في الحرب ضد العراق، وعدم دخولها شمال العراق! "
لكن أمريكا التي تقدم مصالحها على كل شيء تأبى بعناد ان تنسى ما حدث، والأغرب من هذا أنها تعاقب التركمان الذين لا علاقة لهم بالقرار البرلمان التركي، من خلال فرض محافظ كردي على مدينتهم كركوك رغم أنف الجميع!
ولكن يبقى من حقنا السؤال أليس من العيب على دولة عظمى مثل أمريكا، أن تأخذ التركمان بجريرة السياسة التركية؟. . فتركيا دولة مستقلة وذات سيادة ولا دخل للتركمان بسياستها الخارجية سواء إذا اتفقت مع مصالح أمريكا أم لم تتفق. ولا يربط التركمان بتركيا إلا انتمائهم إلى نفس الأصول العرقية فيما عدا ذلك فهم مواطنون عراقيون، عاشوا مع إخوتهم العراقيين في السراء والضراء، وتقاسموا معهم كل النكبات التي حدثت في وطننا العزيز، ومصلحتهم كما عبروا دائما هي في الانتماء إلى وطنهم العراق. حيث لم يرفع التركمان لحد الآن شعارات انفصالية لأي سبب كان، وهم وكما يعرف العراقيون عن كثب لم يسيئوا إلى أية قومية في العراق رغم تهميشهم دستوريا وإحصائيا، وإنكار واقعهم وهويتهم الوطنية، وتعريب مناطقهم بعملية منظمة من قبل النظام البائد.
المطلوب من أمريكا إذا كانت فعلا مهتمة بقوانين العدل وحقوق الإنسان العودة إلى موقفها في عام ١۹۹١، وإيقاف الهجرة الجماعية الكردية المستمرة إلى كركوك بهدف تغيير طابعها الديموغرافي، وإيقاف تكريد هذه المدينة العراقية الباسلة. وليعلم الحالمون من الأكراد أن مصير حملاتهم المنضمة لتكريد كركوك لن تكون أفضل حظا من حملات تعريب كركوك التي استمرت زهاء ثلاثة عقود وباءت بالفشل الذريع. ان التلاحم بين التركمان وصمودهم وتضامنهم إزاء مؤامرة تكريد مدينتهم، سيكون الرد الحاسم على الذين يعيشون أحلام اليقظة، وهؤلاء سيشعرون عاجلا أو آجلا أن أحلامهم المريضة بتكريد كركوك لم تكن إلا أضغاث أحلام!
ليلة ساخنة
في ليلة ١٩ آذار / مارس ٢٠٠٣، كانت ثمة مفاوضات ساخنة تدور في الطابق الحادي عشر من فندق شيراتون بأنقرة، بين زلماي خليل زاده ممثل الرئيس بوش وبين ممثلين عن الجبهة التركمانية.
كان زلماي يلح على الجانب التركماني لإرغامه على قبول موضوعين أساسيين مقابل موافقة الإدارة الأمريكية بتمثيل التركمان بممثلين في الإدارة العراقية المؤقتة التي ستتشكل في العراق بعد إسقاط نظام صدام:
١ـ اعتراف التركمان صراحة بمصطلح ( كردستان).
٢ ـ الاعتراف بقرارات مؤتمر صلاح الدين.
وكانت الجبهة قد تحفظت على القرارات المنبثقة من مؤتمر صلاح الدين، ورفضت التوقيع عليها عكس أحزاب المعارضة العراقية التي وقعت على تلك المقررات. لأن الاتفاقية كانت تنص على إعلان الفدرالية في العراق بعد سقوط نظام صدام. وكانت الجبهة التركمانية التي ترفع شعار وحدة الأراضي العراقية ترى بأن ذلك قد يؤدي مستقبلا إلى انقسام العراق.
طالب ممثلو التركمان من زلماي خليل زاده إعطاءهم مهلة زمنية للتفاوض مع قيادة الجبهة التركمانية حول الموضوع. حدد زلماي الذي كان نفذ صبره هذه المدة بأربع ساعات فقط لإبلاغه بقرارهم النهائي.
جاء جواب التركمان حاسما: الرفض المطلق للمطالب التي يحاول زلماي تمريرها للحصول على اعتراف ضمني ورسمي بالموافقة على المطالب الكردية كشروط أمريكية!
كانت نتائج ليلة ١٩ آذار بمثابة (( القشة التي قصمت ظهر البعير )) كما يقول المثل، حيث تسبب الرفض التركماني للشرطين الأمريكيين إلى استبعاد التركمان من التمثيل في مجلس الحكم، وتهميش حقوقهم والاستهانة بهويتهم الوطنية.. ولكن الى متى ستظل غيوم تلك الليلة الساخنة مخيما على الواقع التركماني المشرق دوما في العراق؟
!ذهب الليل طلع الفجر
أجل رغم كل ما يمر به وطننا المثخن بالجراح والمآسي، فقد ذهب ليل صدام البغيض، ليل الفجيعة والمآسي والحروب، وطلع الفجر الملبد بالغيوم على الوطن الذي لم يستعد عافيته بعد. رغم ذلك فان هذا الفجر المغيم كان كافيا ليكشف للإدارة الأمريكية أن أعضاء مجلس الحكم غير قادرين على احتواء هموم الوطن، وليس في مقدروهم إطفاء الحريق المدمر الذي يحاصر العراق، لسبب بسيط واحد هو أن أعضاء هذا المجلس يهتمون بمصالحهم وخطاباتهم الحزبية الضيقة أكثر من اهتمامهم بهموم الوطن. وان الشعب العراقي في واد وهم في واد.
ذهب الليل وطلع الفجر وظهر أن نصف قياديي الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني كانوا من أخلص عملاء الطاغية صدام. ولم يعمل الحزبان أمام هذه الفضيحة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في العراق، سوى توجيه عقوبات حزبية لهؤلاء الجواسيس بدلا من تقديمهم إلى المحاكمة كمجرمي حرب. ولعل أغرب معلومة في هذا الصدد هو أن يكون من بينهم، الإعلامي المعروف بتعصبه وبتخوينه الجميع من على شاشات الفضائيات الجاسوس المدعو عبدالقادر البريفكاني.. وفي الحقيقة فان سجله غير المشرف يؤهله وبجدارة، لأداء هذه المهمة القذرة على مر عقود مقابل حفنة من الدولارات، فهذا البريفكاني أعلن في الهايدبارك وبشهادة شهود، مرارا عن تأييده لنظام صدام أثناء حربه ضد ايران ,كما تصرف بنفس الأسلوب أثناء احتلال العراق للكويت قائلا أمام الملأ :
((الكويت صارت في الجيب!))
كما تعامل فترة مع الحزب الشيوعي العراقي وبعده مع دعاة الملكية في العراق .بعد الحصول على أموال من كل منهما. سافر الى الكويت مدعيا لمسؤليها أنه يعرف مكان أسرى الكويت في العراق .وقد هرب الى الشمال بعد ان حصل على أموال طائلة من حكامها. حيث بدأ بالعمل في صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني.
ذهب الليل، وانكشف عري الدجالين والجواسيس.. بعد أيام ستهل شمس عيد الفطر المبارك. نأمل أن يكون وطننا العزيز في الأعياد المقبلة معافى من جراحه وهمومه .. كي لا يقول لسان حال الإنسان العراقي بانكسار ولوعة:
عيد بأي حال جئت يا عيد! ..
سيذهب الليل ويطلع الفجر حتما عن عيد حقيقي لكل العراقيين، يحقق للوطن الأمن والآمان والاستقرار والرخاء، وكل عام وأنتم بخير.