كنت اود ان اروي لكم هنا مثل غيري احداث زيارتي الى الوطن بعد سنوات الغربة الطويلة واحاسيسي وانفعالاتي وانا اقترب من ارض الوطن شبرا بعد شبر. . وعن الكيلومترات اللعينة التي لاتنتهي و الدقائق التي لاتمضي. . حتى تقف سيارة الاجرة امام باب البيت الذي قضيت فيه ايام طفولتي وشبابي وعن حرارة لقاء الاحباب و دموع الوالدة الحنونة بضفائرها الناصعة البياض تحت منديل رأسها الحالك السواد. . .
والصغار من اولاد اخوتي الذين لم ارهم الا في الصور. . هذه تقول انا( دنيا) ياخالتي وذاك يقول انا( احمد) ياعمتي. . . ولكنني عدت من هناك وانا مشوشة الافكار من كثرة ما سمعت وما رأيت. . اريد ان انقل المعلومة ولكنني لا اعرف ماذا اكتب ومن اين ابدأ. . ولا تنتظروا مني ان اروي لكم الايام الحلوة في هذه السفرة ولا فرحة اللقاء بصديقات الطفولة والدراسة ولا عن الولائم والعزائم ولا عن المحمر والمشمر كما يقولون لان كل ذلك تحصيل حاصل. . ولانني مهما رويت واطلت عليكم في السرد فساعكر عليكم هذه المتعة في النهاية وسااعود بكم رغما عني الى الواقع المر. . الواقع الذي تعييشه هذه المدينة المنكوبة. . واهلها المسالمون الذين جل همهم العيش في راحة وسلام بعد ان ظنوا انهم تنفسوا الصعداء بزوال كابوس البعث وبعد ان نظفت قذى العيون من رؤية الملابس الزيتونية الكريهة ولباس حيوان الزيبرا واقصد بها لباس الطلائع المرقطة واختفت راجمات الطائرات من على البيوت والمدارس والدوائر الحكومية وارتاح الناس من ملاحقتهم للخدمة في الجيش الشعبي اوالتلفت بخوف ورعب الى الخلف عند التكلم في ا السياسة ومن زوار الفجر الغليظي الشوارب. . وهيأوا صدورهم لتنسم هواء الحرية
والديمقراطية الموعودة من قبل اولاد العم سام. . ولكن عندما تتكلم مع احد ابناء المدينة تسمع منهم الف آه. . وآه. . فبعدما كانت الناس تروي في مجالسها ممارسات رجالات النظام المقبور تبدل الحال الى ممارسات الاحزاب الكردية
وانطفت الفرحة عندي من كثر ماسمعت ضمن نطاق عائلتي ومعارفي فقط فكيف بباقي سكان المدينة . . المدينة التي عاشت طول عمرها بعربها وتركمانها واكرادها وهم على اتم وئام ولم نسمع او نرى يوما احدهم يعتدي على الاخر. .
وكان الكل سواسية في توزيع الظلم عليهم من قبل جلاوزة السلطة المقبورة. . والعوائل الكردية بالذات كانت تلقى تعاطفا كبيرا لما كان يمارس في حقها من تهجير وانفال. . ولكن بعد التاسع من ابريل وسقوط النظام تغير كل شئ. . اصبح مظلوموا الامس هم ظلام اليوم. . ومسلوبي الحقوق هم السالبين. . دخلوا الى المدينة كاسراب الجراد الذي يهاجم الزرع ولا يبقيه الا هباء منثورا. . فسلبوا ونهبوا وملئت اللوريات وسيارات الشحن الكبيرة والصغيرة وحتى التراكتورات الزراعية بالسلع التي سرقت من البيوت والمحلات وتوجهت في طوابير الى السليمانية واربيل. . اما عن السيارات الحكومية والشفلات والرافعات وباصات النقل العام فحدث ولا حرج. . فعملوا ترويعا وتقتيلا على هواهم وتحت انظار جنود الاحتلال ولم ينسوا ان يعيدوا الكرّة مثلما فعلوا عام ۱٩٩۱ فاحرقوا دائرة النفوس والطابو بعد ان سرقوا هويات النفوس الجديدة.
حكوا لي عن الطريقة التي دخلوا بها الى المدينة مع القوات الامريكية وكيف كانوا يهجمون على البيوت للاستيلاء على السيارات بحجة انهم يبحثون عن البعثيين وكم من سيارة اغتصبوها من اصحابها عنوة ومن داخل البيت. . جارتنا( ام علي) ارملة استشهد زوجها العقيد في الحرب مع ايران وكان ابنها لايزال في الثانية عشر من عمره ابقت السيارة في كراج البيت خمس سنوات حتى كبر الولد وحصل على اجازة السوق. . كانت تقول لوالدتي: انظري لقد كبر (علي) وحل محل والده المرحوم. . بكل قساوة انتزعوا منها السيارة رغم توسلاتها ورغم عدم علاقتها لا بالبعث ولا بالبعثيين. . ونزلوا الى الاسواق والازقة متسلحين بالرشاشات والسكاكين ورموا رجلا مسكينا من فوق جسر الشهداء فقط لانه كان يعتمر الغطرة والعقال. . ومزقواملابس سيدة عربية في وسط السوق وسارع احد اصحاب المحلات بسترجسدها العاري بقطعة قماش. . واستولوا على الدوائر الحكومية وانزلوا العلم العراقي ورفعوا الاعلام الخضراء والصفراء وانزلوا اسماء الدوائر العربية وابدلوها باسماء كردية وتصوروا ماكان يسمى سابقا (مستشفى صدام العام ) غيروا اسمه الان ليصبح ( مستشفى ازادي العام ). . وكانهم وبجرة قلم قد ضموا كركوك الى كردستانهم المزعومة. . .
فابن البصرة او النجف لو اراد يوما زيارة اربيل او السليمانية ماعليه الا ان يتوقف كل مائة متر ليسئل عن وجهته لسبب بسيط هو انه لن يجد علامة من علامات الطريق الدالة بالعربية او حتى اضعف الايمان بالانكليزية.
وبدأ التاريخ يعيد نفسه ولكن بعد تبديل كلمة (تعريب) بكلمة ( تكريد). . ولا اعلم هل هي من قبيل المصادفة ان يكون لي اربعة اخوة موظفين في الدولة وان يتم تعيين مدرائهم العامون من الاكراد دون النظر الى الطبيعة السكانية للمدينة والى الاغلبية الساكنة فيها. . ولكننا وللاسف الشديد نعيش في زمن السلاح هو الذي يتكلم وغاب فيه العقل والمنطق. . فالتركمان وباقي القوميات غير مسلحين بعد ان نزعت عنهم القوات الامريكية السلاح وابقتها بيد الاحزاب الكردية في تحيز ظاهر للعيان. . والتركمان لم يمارسوا يوما القوادة والنفاق على مر تاريخهم المشرف لاجل نيل منصب او حضوة ولم يعرضوا نسائهم على جنود الاحتلال كي يرضوا عنهم. . واسألوا عن الحديث الساري في المدينة الان عن سيارات الكوستر المضللة والتي تحمل ارقام ( السليمانية ) التي تقف بعد حلول الظلام امام مقرات الجنود الامريكيين وتنزل منها فتيات صغيرات السن بالملابس الكردية المزركشة.
اما القوات الامريكية فاصبحوا لا ينزلون من مركباتهم فتري الجنود وقد جلسوا بشكل متعاكس لمراقبة الطريق من الامام ومن الخلف ويدهم على الزناد في وضع الاستعداد. . وكما علمت من اهلي فقد كانوا قبل اشهر يتجولون في الشوارع والازقة على الاقدام في دوريات ليلية ولكن بعد احداث استهدافهم فضلوا عدم النزول من مركباتهم وما ان يحل الظلام ينسحبون الى مقراتهم ويغلقون الطرق المارة قرب المقرات بوضع الحواجز والسواتر الفولاذية والاسمنتية وعلى الذين يسكنون في الاحياء القريبة من تلك المقرات ان يسلكوا الطرق البديلة والترابية للوصول الى بيوتهم. ولا يزال منع التجول بعد الساعة الثانية عشر ليلا ساري المفعول.
اما الاسواق والمحال التجارية فان من زار مدينة كركوك يعلم ان شارع الجمهورية هو القلب النابض للمدينة ففيها كل المحال التجارية للاغذية والملبوسات وعيادات الاطباء وتباعا ترى يافطات المحلات العربية ترفع من على العمارات التجارية كعمارة الحمداني وغيره لتحل محلها يافطة كردية ونسمع انها قد بيعت الى كردي كان لاجئا في الخارج والناس يصدقون لان اسم الخارج مقرون دائما بالدولارات مع ان اغلب من في الخارج وانا منهم بالكاد يدبرون ثمن تذكرة الطائرة!!!! فمن هم هؤلاء الاكراد؟؟؟ ولحساب من يعملون؟؟؟ ولمن اشتروا هذه المحال؟؟؟ ومن اين جاءوا بكل هذه الالوف من الدولارات؟؟؟ ومتى كان اللاجئ الذي يعيش على الكفاف يستطيع جمع كل هذه الاموال؟؟؟؟ تساؤلات كثيرة لن يجيب عليها إلا قانون من اين لك هذا!!!!!
لقد كتبت في مقالة سابقة عن الممارسات التي تجري من اجل تكريد المدينة وعن موظف الاستعلامات الذي لايجيب على المواطن الذي يسأله بالعربية او التركمانية. . سأذكر لكم هنا بعض مشاهداتي التي حدثت اثناء تواجدي في المدينة: ـ
۱ــ كنت يوما مع اختي ننوي الذهاب الى سوق المدينة وساومنا سائق سيارتي اجرة ولم نركب الا السيارة الثالثة ولا تتعجبوا فان المساومة لم تكن على الاجرة ولكن المساومة كانت على اللغة. . نعم اللغة فسائق الاجرة الاول اجابنا بكل صلافة عندما سألناه بالعربية عن الثمن الى شارع اطلس فاجابنا ( عربي نازانم) اي لا اعرف العربية، وعندما اعادت اختي السؤال بالتركمانية لكونها لاتعرف الكردية اجابها ( تركي نازانم ) اي لا اعرف التركية فصرفناه وقد عرفنا المسألة
ونفس الشئ حدث مع سائق اخر وقد لا تصدقون وتتهموني بالمبالغة ولكن والله العظيم هذا ما حدث اما السائق الثالث فقد كان عربيا سألناه بالتركمانية فاجابنا بالعربية( اللي تنطونه يزيده الله ). . طبعا كان عربيا ولكنه فهم ما نقول لانه هذا هو الحال في كركوك فرغم الاغلبية التركمانية ولكن العرب والاكراد يعرفون هذه اللغة بحكم المعايشة وخصوصا سائقي سيارات الاجرة وطبعا هناك تفسيران احدهما امر من الاخر لتصرفات السائقين الاولين:
التفسير الاول هو تعمد انكار المعرفة باللغتين لاجبار الراكب على التكلم بالكردية.
التفسير الثاني وكما نوهنا ان سواق التكسي في مدينة كركوك يعرفون اللغات الثلاثة وهذا يعني ان السائقين الاولين هم اغراب عن المدينة او اغراب عن العراق كله وانهم فعلا لا يعرفون العربية ولا التركمانية. . فمن اين جاءوا اذن؟؟ اترك هذا لذكاء القارئ.
۲ــ جاءتني ابنة اختي التلميذة في الصف الخامس الابتدائي بدفتر جديد استلمته من المدرسة لتقول لي لا اعرف اين اكتب اسمي على غلاف الدفتر يا خالتي. . وكنت في طريقي الى تأنيبها على جهلها بالقراءة. . ولكن ما ان اخذت الدفترفي يدي حتى اعطيتها الحق فمن اين ستعرف الطفلة اين تكتب اسمها والكتابة على الغلاف باللغة الكردية التي تجهلها.
۳ــ بعد ان حدثت مشاكل كثيرة بسبب الاعلام واحتجاج العرب والتركمان على انزال الاعلام العراقية ورفع اعلام الاحزاب الكردية ورسم خارطة كردستان المزعومة على الجدران وحيطان المنازل، ارادت قوات الاحتلال ان تضع حدا لهذه المشاكل فامرت الجميع بانزال الاعلام والابقاء على العلم العراقي فقط فامتثل التركمان في الحال وانزلوا الاعلام الزرقاء وابقوا على العلم العراقي بينما عاند الاكراد. . وقد كلفت القوات الامريكية بعض الصباغين من اهل المدينة على ازالة الشعارات وخارطة كردستان من الجدران، وكان من ضمن هؤلاء احد معارفي الذي استوقفوا ابوه الشيخ اناس مجهولون وهو في طريقة الى المسجد للصلاة وكلموه باللغة الكردية ان ينصح ابنه بترك هذا العمل والا سيطيرون بيتهم بقذيفة آر بي جي فعاد المسكين الى البيت وهو يرتجف من الخوف على حياة ابنه وعائلته.
لقد كتب البعض من الاخوة الاكراد عني في بعض المواقع بانني حاقدة على الاكراد وانا اقول لهم ان حقدي لايعلو على حقد الكردي على حزب البعث و ليس على العرب كلهم. . وان حقدي لايعلو على حقد الفلسطيني على الصهاينة وليس على اليهود والديانة اليهودية. . و حقدي ليس على الاكراد كقومية فلدي علاقات وصداقات واسعة مع الاكراد والعوائل الكردية سواء داخل العراق او خارجه ولكن حقدي على الاحزاب الكردية الدخيلة التي غايتها سلب هويتي وتغيير معالم مدينتي والباسها ثوبا غير ثوبها. . ولكن فكما ان البعثيين لا يمثلون عرب العراق كله وكما ان الصهاينة لا يمثلون كل اليهود كذلك الاحزاب الكردية لا تمثل كل الاكراد الشرفاء الذين هم ايضا ممتعضون من تصرفات رجال الميليشيات الكردية. وخيبة املهم كبيرة في من كانوا يعتبرونهم حتى تاريخ سقوط النظام من المناضلين وكبار مسؤولي الاحزاب ليكتتشفوا انهم قد خدعوا لمدة اثنى عشر عاما بعلاقاتهم المشبوهة بمخابرات النظام الذي ذبح وقتل وشرد الالاف من قومهم والايام ستكشف الشئ الكثير وان غدا لناظره لقريب.