انتظر الشعب التركماني التواق الى الحرية التي حرم منها بشرى يوم الخلاص من أعنف نظام عرفه التاريخ بعد معاناة طويلة دامت أكثر من ثلاثة عقود ونيف قدموا فيها الكثير من التضحيات والشهداء، هدمت فيها قراهم وجوامعهم وحسينياتهم وسكبت دمائهم الطاهرة واستخدمت ضدهم أبشع الوسائل للقضاء عليهم في أرض استوطنوها قبل ألاف السنين. انتظرالتركمان وبفارغ الصبر ولادة حكومة عراقية وطنية جديدة تعامل جميع أبناؤها بالعدل والمساواة وتؤمن لمواطنيها سبل العيش الرغيد بغض النظرعن انتماءاتهم القومية والدينية والطائفية.
تهيئ التركمان للاحتفال بالخلاص من النظام البائد بعد سقوط العاصمة بغداد في التاسع من نيسان ۲۰۰۳م ولكنهم فوجئوا بسقوط كركوك في العاشر من الشهر نفسه وحينها أدرك التركمان أن خيوط شمس الحرية قد تعلقت في الافق وان قيود الاسر لم تفك بعد وعادت بهم الذاكرة الى يوم الرابع عشر من تموز عام ۱٩٥٩ م عندما احتفل التركمان بالذكرة السنوية الاولى لتأسيس الجمهورية العراقية ولكنهم كوفئوا بمجزرة رهيبة راحت ضحيتها خيرة قادة وشباب التركمان. لقد اغتصبت كركوك للمرة الثانية وفقدت رونقها بعد أن اشعلت النيران فيها وأحرقت دوائر الطابو والنفوس وكادت المدينة أن تفقد هويتها التركمانية بين ليلة وضحاها. لقد تعرضت مدينة كركوك والمناطق التركمانية الاخرى الى نفس السياسات الخاطئة التي اتبعها النظام البائد من مسخ الهوية التركمانية والقضاء على التركمان والتي اشعلت فتيلة العداوة والبغضاء بين ساكنيها. فبينما كانت السجلات الخاصة بالطابوا والنفوس والعقارات تحرق لغرض تغيير الواقع القومي التركماني لهذه المناطق كانت بغداد تخطط لواقعة اخرى الا وهي محو الهوية السياسية التركمانية في العراق ومنعهم من المشاركة في اٍدارة العراق وصنع القرار السياسي. لقد استبعد التركمان البالغ عددهم أكثر من ثلاثة ملايين من المشاركة في حكم العراق بعد تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق واستبعدوا باجماع الاراء.
لقد خيبت آمال التركمان عندما استبعدوا من لمشاركة في مجلس الحكم الانتقالي في اول يوم تشكيله حيث فرضت بعض الاحزاب التي لا تعترف بالديمقراطية اٍرادتها وفرضت نفسها بقوة السلاح والاستعانة بالاطراف الاخرى ومنعت التركمان من المشاركة في التمثيل وفق تداعيات لا اصول لها. ولكن التركمان الذين عملوا من أجل وحدة العراق أرضا وشعبا والذين وقفوا سدا منيعا أمام الطروحات التي ترمي الى تجزئة العراق طالبوا بحقوقهم المشروعة باستخدام السبل الديمقراطية مستبعدين العنف الذي لم يؤمنوا به طوال تواجدهم في أرض الرافدين.
وبعد صمت رهيب والناس يترقبون نتائج الاجتماعات التي تدار في دهاليز مجلس الحكم واذا بمسودة مشروع السيد الباچجي تطرق ابواب مجلس الحكم لتقدم المسودة وفيها الكثير من الاجحاف ليس فقط بحق التركمان بل لجميع العراقيين. واحتج التركمان على هذا المشروع وخرجت ألالاف في الخامس والعشرين من شهر شباط ۲۰۰٤م أمام مجلس الحكم مطالبين بحقوقهم المشروعة واعتصم شباب التركمان بعد أن قيدوا أنفسهم بالسلاسل التي قيدت حريتهم طوال ثمانية عقود من الزمن. وبعد بضعة أيام واذا بهيئة من مجلس الحكم تطالب التركمان بانهاء الاعتصام لان حقوقهم قد ردت اليهم وعاد التركمان الى كركوك حفظا منهم لمبادئ الديمقراطية واٍيمانا بوعود مجلس الحكم وصاحبة القرار في العراق. وعندما رجع المعتصمون الى كركوك هوجمت مقرات الجبهة التركمانية العراقية من قبل الغوغائيين الذين جلبوا الى كركوك حيث تمت الاعتداءات على المواطنين التركمان في المدينة وتم تخريب محتوى المقرات.
لقد انتظر الشعب العراقي بكل أطيافه الولادة العسيرة لقانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بعد مخاض عسير ولكن واٍذا بالمولود الجديد يولد أعمى وأبكم وأصم. لقد فقد المولود بصره وهو خارج من دهاليز مجلس الحكم ولم يستطع رؤية التركمان البالغ عددهم أكثر من ثلاثة ملايين. كما لم يستطع هذا لمولود سماع الاصوات التركمانية التي تطالب بحقوقها من خلال المظاهرات ووسائل الاعلام. وفوجئ التركمان باكتشاف عاهة اخرى لهذا المولود واذا به قد فقد قدرته على الكلام بعد أن اجبر على السكوت. واٍذا كان هذا حال المولود الابكم والاصم والاعمى فما بال القرارات الاخرى.
ويسأل التركمان بعض الوطنيين الموجودين في مجلس الحكم لماذا وقعتم على فرمان قتل العراق وتجزئته؟ ألم يكن من الاجدر بكم الانسحاب وعرض الدستور على الشعب العراقي ليقرر مصيره؟ ام أنكم قبلتم بها لاسباب خارج عن ارادتكم؟ وان كانت كذلك فقد كان من الاجدر الانسحاب من مجلس الحكم والوقوف بجانب الشعب العراقي ليذكركم التاريخ. والى متى يا مجلس الحكم ستجحفون بحق التركمان القومية الاساسية الثالثة بالعراق؟ و ما هكذا تعطى الحقوق يا مجلس الحكم.