نشرت الصحف في ٢/١/٢٠٠٣ مقتطفات من تقرير اللجنة التي ترأسها السفير أدورد جيرجيان بشأن تحسين صورة أمريكا عربيا واسلاميا. رفعت اللجنة تقريرها الى الكونغرس الامريكي ضمنته (٣٤) توصية عملية لتحسين صورة امريكا في الخارج.
قفز الى ذهني صورة الفلاح عبد الزهرة عبد الحسين بعد قرأتي لتقرير السفير أدورد جيرجيان. وقد يتسأل البعض وما العلاقة بين الفـلاح العراقي عبد الزهرة والسفير الامريكي أدورد جيرجيان. العلاقة ببساطة هي نظرتهما الاستراتيجية التي تكاد تكون متطابقة لأسباب كره العالم لأمريكا. ألا ان الاول سبق الثاني بأكثر من ثلاثة أشهر.
عبد الزهرة فلاح ( حديقجي) رجل في الستين من عمره، يكنى بأبي عواد، قليل الكلام، ولكن عندما يتكلم يتقطر فلسفة وحكمة.
زرت بغداد الحبيبة بعد خمسة وخمسين يوما من أغتصابها وذبحها، جاء عبد الزهرة كعادته ليتفقد حديقة الدار، بعد السلام والكلامن سألته ، كيف الامور؟ نظر الي نظرة غريبة وبعيون حزينة دامعة قال: مثل ماترى... الناس سكارى وما هم بسكارى. (ثم دار الحديث التالي بيننا باللهجة العامية العراقية. أنقل نصه بالفصحى الا بعض الكلمات المعبرة سأشرحها).
حاولت استدراجه، قلت ماذا تعني.
قال: والله يأستاذ وقع الفاس بالرأس، من كان يصدق أو يتصور الذي حدث ولكن في العراق كل شيء ممكن وكل شيء غير ممكن. قلت يأبو عواد هذه فلسفة لا أفهمها.
قال: منذ الازل، العراقيون لايرضون عن أحد، هم نسيج وحدهم، هل رضوا عن الامام علي عليه السلام، ألم يذبحوا ولده وأحفاده؟ ماذا فعلوا بالحجاج بن يوسف الثقفي رموه بالفضلات والنعال القديمة الى ان وضع العمامة على رأسه، وغيرهم وغيرهم؟. العراقيون يقتلون أصحابهم ثم يترحمون عليهم بعد ذلك طيلة حياتهم. منذ خمسين عاما يترحمون على نوري السعيد وهم سحلوه في الشوراع؟
دعوته للجلوس وشرب الشاي. قدمت له سيكارة روثمان. نظر اليها وقال هذه اصلية ( مال انكليز) غير مغشوشة. بعد أن أصبح كل شيء مغشوشا في هذا الزمان العجيب.
قلت هذا زمان الامريكان وليس زمان الانكليز حتى ولوكانت لهم في كل زفة رقصة.
قال: والله، يأستاذ أمريكا خوش أمريكا ( أي جيدة)...بس لو ما ( فقط لو لم). وسكت.
قلت: ماذا تعني؟
قال: بس لو يوقفون دعمهم لأسرائيل بالسلاح والمال والسياسة. نريدهم أن يدعموا أخواننا الفلسطينين يوما واحدا في السنة أو يومان ولاضير في أن يدعموا الاسرائليين باقي أيام السنة. أه أمريكا لو بس....وسكت.
ذكر جيرجيان في تقريره ( أن النزاع العربي- الاسرائيلي يبقى مسألة واضحة ومهمة للخلاف القائم بين الولايات المتحدة والكثير من البلدان العربية والمسلمة). لله درك يأبو عواد لقد شخصت بدقة المأزق الامريكي.
قلت: وماذا بعد؟
قال: أمريكا ( خوش) يعني جيدة ، بس لو لايضخمون الامور أكثر مما يجب. ويحشرون انوفهم في كل شيء. الناس كانوا يحبون الامريكان ويحترمونهم في السابق أما الان الكل يكرههم، يكرههم الناس بسبب عدم انصافهم ومحاولاتهم لفرض عاداتهم على العرب والمسلمين، يريدون أن ننسلخ من جلودنا، والان بدل ما يكحلوها عموها بعد أن أحتلوا العراق نسمع من الاذاعات انهم يريدون فرض مناهج دراسية امريكية في المدارس. يريدون أن يلبس شبابنــا ( التراجي) وبناتنا يمشين في الشوارع مصلخات ( عاريات)، أمريكا فقدت عقلها وروحــها.( صدمتني العبارة الاخيرة كصدمة صاروخ الكروز).
يقول جيرجيان في تقريره ( نحن نحث على أن يؤخذ بنظر الاعتبار التركيز على برامج التعليم.... وفي الوقت نفسه ايصال الرسالة الامريكية وبناء أرضية للصداقة والتقة بين الطرفين)..
ثم روى لي الحكاية التالية:-
قال: أبو عواد، يقال أنه بعد أن أحتل الانكليز العراق عام ۱٩۱٧ ، جلبوا معــهم قساوسة ( يقصد المبشرون) وأسكونوهم في مدينة الكوت. حاولوا التقرب الى الناس بكل الوسائل، بنوا مدرسة ومستوصف قدموا فيها الشربت والخبز مجانا. والتاس تتدافع لحضور دعواتهم. وبعد فترة قاموا يتحدثون عن المسيح عليه السلام والناس يسمعون وينصتون خاشعين مرت سنة وسنتان ، تيقن القساوسة من مواضبة الناس على الحضور والاستماع الى مواعضهم. أعتقدوا ان الوقت قد حان لمفاتحتهم لاعتناق النصرانية ( المسيحية). أقاموا وليمة كبيرة في المدرسة ودعوا الناس القريبين منهم فقط. جلس الناس وظهر كبير القساوسة وقال لهم أن المسيح ارسل لكم قبسا من نوره ويطلب منكم اتباعه والايمان به، والان سترون قبسات من نوره. ضغط أحد القسس على الزر وأمتلىء المكان بالضياء( الكهرباء) وصاح الناس صيحة رجل واحد اللهم صلي على محمد وأل محمد. وذهب جهود القساوسة سدى في تنصير بعضا من اهالي الكوت. وعقب أبو عواد قائلا: أخاف بعد أن يصرف الامريكان ملايين الدولارات لأقناع الناس بأتباعهم، يصير حالهم حال أولائك القساوسة ويصيحون صيحة رجل واحد تسقط أمريكا.
أشار تقرير جيرجيان الى الحقيقة الاتية: ( على الرغم من كل الجهود الكبيرة التي بذلناها في المناطق ( العربية والاسلامية) لكن العداء تجاه الولايات المتحدة قد تنامى الى مستويات لم يسبق لها مثيل، مما جعل تحقيق أهداف سياستنا أصعب وأكثر تكلفة من حيث الخسائر البشرية والمالية...... اليوم فأن وزارة الخارجية تنفق ٦۰۰ مليون دولار على برامج دبلوماسية العلاقات العامة في جميع انحاء العالم وينفق مجلس أمناء الاذاعة ٥٤۰ مليون دولار). ومع ذلك فان كره العرب والمسلمين والعالم يزداد شدة وانتشارا.
استطرد أبو عواد قائلا: أمريكا خوش أمريكا ولكن لو بس حكومتها لاتكذب. توعد ولاتنفذ. أنظر الى افغانستان ألم يوعدوا خرزاي ( يقصد حامد كرزاي) ، لاأدري، ملاين او مليارات من الدولارات، والى الان الرجل (لابس جبته المقلمة) يركض هنا وهناك كأنه شحاذ و (ماكو قبض). وأخاف أن تكون وعودهم لنا مثل وعودهم لهذا المسكين، وعود عرقوب.
ثبت جيرجيان في تقريره ( وقد ابلغنا كثيرا خلال رحلاتنا في الدول العربية اننا، نعجب بالامريكيين ولكن لانعجب بما تفعله الحكومة الامريكية). فلاح بسيط يتوصل الى نفس ما توصل اليه فحول السياسة الامريكية.
رشف أبو عواد رشفة اخرى من الشاى، ، ثم استرسل قائلا، صدام ( ما كان خوش) لم يكن جيدا..حروب وحصار وسجون وتعذيب واعدامات، وكان يتكلم بالعز والكرامة ( حجي كثير وماكو قبض) أي كلام كثير من دون فائدة، والامريكـــان أيضا ( حجي كثير وماكو قبض) شبعنا من الكلام ، نحن نريد كهرباء وماء وعمل وأمان كلها مفقودة. الذي يقوم بمثل هذا العمل الكبير يشد حزامه من الاول.( أي يتهيأ ويخطط له منذ البداية).
قلت له يا أبو عواد صبرك عليهم قليلا، لم يمضي على وجودهم شهرين، وربما ستتحسن الامور بعد فترة.
قال بحزم، لاأصدق ، الطفل الذي( لايصًبح يبين من المغرب)، أفعالهم تدل على نياتهم، أخاف ان تسوء الامور أكثر. أمريكا تتصرف خفيف ( انها تتصرف بأستهتار). ليس فقط هنا بل في كل مكان، أنظر الى شارون يقتل ويدمر ويذبح النساء والاطفال في فلسطين وأمريكا تقول لــه ( عفية) ( يعني امريكا تقول له حسنا فعلت).
قلت له أن اسرائيل حليفة أمريكا وتعتبر أمريكا أن من واجبها الديني والاخلاقي حمايتها والدفاع عنها.
قال: هل يوجد حليف لأمريكا أكثر من حكام العرب؟ والله لو طلب منهم بوش أن يرموا أنفسهم في البحر، تراهم يتسابقون فيما بينهم من يرمي نفسه في البحر قبل صاحبه حتى ينال رضى بوش ويقول له ( عفية). أما اذا طلب ذلك من شارون لقال له ( انت مخبل( مجنون) اشتري بعقلك حلاوة).
قلت: الامريكان يشتكون من كره العالم لهم، ويريدون معرفة أسباب ذلك؟ فهل تحب أمريكا أم تكرهها؟
قال: الشخص المكروه يعلم علم اليقين لماذا يكرهه الناس وتنفر منه، أنا كنت أحب أمريكا ولكن بعد ما أشتريت ديش ( يعني صحن فضائي) أشاهد يوميا جرائم أمريكا وأسرائيل ضد العرب والمسلمين في فلسطين والدول الاسلامية. منذ اليوم الذي اشتريت الديش، صرت أكره أمريكا.
ذكر جيرجيان في تقريره (ولقد شاهدنا واحدا من أسوء كوابيسنا في أكواخ الصفيح في الدار البيضاء، حيث البيوت تفتقر الى شبكات المياه والمجاري، مجهزة بصحون فضائية).
قلت ربما ستتغير أمريكا بعد أحتلالها للعراق ونيتها بجعله نموذجا للعرب والمسلمين؟
قال: لاأصدق امريكا لاتتغير.
صدقت يا أبوعواد لقد شخصت محنة أمريكا وأزمتها مع نفسها ومع العالم قبل أن يشخصها فحول السياسة ومخططي الاستراتيجيات الامريكية وأيد كلامك السفير جيرجيان الذي قال في تقريره ( في الوقت الذي لايمكن ولايجب على الولايات المتحدة تغيير سياستها للأرضاء الرأي العام في الخارج، فأن علينا استخدام وسائل دبلوماسية العلاقات العامة).
لاأدري كم مليون دولار خصصتها الادارة الامريكية للجنة جيرجيان لتقوم بمهمتا، وبالنتيجة توصلت الى نفس التحليلات والاستنتاجات التي توصل اليها الفلاح البسيط أبو عواد.
ألايستحق أبو عواد بجدارة عضوية هيئة دبلوماسية العلاقات العامة الامريكية المقترحة؟
أمريكا خوش أمريكا لو بس.......تستعيد وعيها وعقلها وروحها.
ـــــــــــــــــــــــ
ملاحظة/ جرى هذا الحوار في بغداد يوم ٨/٦/٢۰۰٣ وهو ليس من نسج الخيال سجلته في دفتر يومياتي بعد الحوار مباشرة.