رغم "اعترافات" رامسفيلد ووولفويتز وبيرل الاخيرة بالفشل والتسرع وارتكاب الاخطاء في حملة العراق فان اميركا لا يهمها اطلاقا، خصوصا في هذه الآونة، اي استقرار امني او سياسي او اقتصادي هناك لا بل هي تسعى لتجيير واستثمار حوادث القتل والسلب والتهديد والتفجير اليومية وما يرافقها من ردود افعال محلية واقليمية في شمال العراق الى اقصى الحدود، كونها تساهم في تحقيق الارادة الاميركية غير المعلنة في اقحام هذا البلد في لعبة الحرب الاهلية ومشروع التقسيم والتفتيت والشرذمة. اكراد الشمال وضمن هذه الحسابات والمعادلات وبعلاقاتهم المميزة مع الاميركيين اليوم يتقدمون على غيرهم من القوى الفاعلة هناك ويعدّون انفسهم لأكثر من احتمال وفرضية اهمها مشروع الدولة الكردية المستقلة. فالدعم الكردي المكشوف لسياسة اميركا العراقية والتحدي العلني لسياسة تركيا ومصالحها هناك والحرب العلنية ضد تركمان المنطقة والانزعاج العربي الواضح من استعجال الفصيلين الكرديين الرئيسيين التفرد في رسم خريطة المستقبل السياسي للعراق، تعزز فكرة ان اكراد الشمال يرون في التركمان عقبة اساسية وعقدة هامة ينبغي اقتلاعها وازالتها من طريق الاستقلال او الانفصال.
قبل اسبوعين تفجر الاشتباكات بين الاكراد وتركمان المنطقة الشمالية في اكثر من مكان وموقع، وهي تختلف عن غيرها من الاحداث كونها هذه المرة اشتباكات تدور بين قوى عراقية محلية بعدما كانت المواجهة تجري حتى الآن بين قوات الاحتلال وبقايا النظام او من يدعمها، وتعرضت تربة الامام الشيعي موسى علي في تزهورماتو (حوالي ١٠٠ كلم من كركوك) لاعتداء وتخريب رافقهما اصطدامات مسلحة اودت بحياة ٣ عناصر من البشمركة الكردية و١٣ تركمانيا سقطوا بسلاح كردي - اميركي اعقبها تظاهرات واضطرابات واسعة كانت اهم نتائجها غير المتوقعة (تبين وجود تركمان غير سنّة في العراق) وحدة الشيعة في العراق عربا وتركمانا ضد هذه الاستفزازات حيث تغلب الطابع الديني على طابع الانتماء العرقي وهو ما ازعج الكثيرين هناك وارعبهم وفاجأهم. واتفاق الشيعة هذا حيال ما يجري رغم تباعد توجهاتهم وخياراتهم السياسية، لا بل ان دعوة الزعيم الروحي الصدر اخيرا الى تظاهرة استنكار احداث كركوك والاعلان عن رص الصفوف كانت رسالة تحمل اكثر من معنى الى الاكراد السنّة قبل ان تكون موجهة الى قوات الاحتلال الاميركية. من الزاوية التركية التي كانت تراهن على الامساك بورقة الامتداد التاريخي والعرقي نحو تركمان العراق واستخدامها في مواجهة اكراد الشمال يبدو انها وصلت الى الطريق المسدود بعدما اختلطت عليها الامور بين ان تكون جزءا من المشكلة بدل ان تكون جزءا من الحل. اذ يبدو ان انقرة تعرضت هنا لضربة جديدة ملخصها اختراق كردي - اميركي للخطوط الحمر التركية في شمال العراق خصوصا في موضوع التركمان وحمايتهم وتبنيهم، فأكدت احداث الاشهر الاربعة الاخيرة كلها التحدي المكشوف لمصالح تركيا ونفوذها هناك وفشل مشروع اعوام من الرهان على الزعامات الكردية ومحاولة الامساك بها ضمن لعبة المعادلات واعتماد سياسة الترغيب والترهيب. لا بل ان انقرة ستجد نفسها امام مأزق جديد سببه ملء الفراغ الذي تركته في الشمال من جانب القوى الشيعية التي سارعت الى تبني تركمان المنطقة وادخالهم تحت مظلتها وحمايتها ونفوذها. ومن المحتمل ان تكون خطوة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الاخيرة الاسراع في اشعال الضوء الاخضر امام مشاركة عسكرية تركية في العراق واحدة من الاسباب الهادفة لتحسين موقع تركيا بعد خسارتها الكثير من المواقع والنقاط على رقعة شطرنج شمال العراق. الاكراد بدورهم لن يختلط عليهم الماء بالزيت، ولن يغامروا وينخدعوا بتحريض بريطانيا التي تسعى الى تصفية حسابات تاريخية مع دول المنطقة، وبوعود اسرائيل صاحبة المصلحة الاكبر في دويلة كردية على حدود تركيا وايران وآسيا الوسطى بكل ما توفره هذه المساحة من خدمات اقتصادية واستراتيجية حيوية. ولن يقبل الاكراد ما رفضه دروز لبنان - طالما ان العراق يسير نحو اللبننة - اكثر من مرة في اقتراحات اعلان دويلتهم الذي سوقت له دول غربية واسرائيل. وحق الاكراد المشروع في ارضهم وثقافتهم وتراثهم ينبغي ان لا يتحمل مسوؤليته تركمان المنطقة وحرب "تطهير" كردستان العراق من النفوذ التركماني او انكار وجودهم وحصتهم في التمثيل والمشاركة. فخطة الرهان على تفجير سياسي بين التركمان والعرب والمراقبة عن بعد كرديا ليست بهذه السهولة وهي تحمل اكثر من مخاطرة دينية وعرقية واستراتيجية وهو ما يعرفه قدماء القيادة السياسية الكردية. بايجاز هناك من يرى في تركمان شمال العراق ضحية لخطأ تاريخي - جغرافي ارتكب بحقهم فتحولوا الى "الرجل المناسب في المكان غير المناسب" بعدما عمل نظام صدام حسين على تعريبهم، وعملت تركيا على لعب ورقتهم عندما تذكرهم فجأة الرئيس الراحل تورغوت اوزال، وسعت ايران لادخالهم ضمن لعبة توازناتها الاقليمية. ويعمل اكراد المنطقة على تركهم امام خيارين احلاهما مر فيما تسعى قوى عالمية واقليمية اخرى في مقدمتها اميركا وبريطانيا واسرائيل للمساومة على مصيرهم ضمن المعادلة الانسب والاربح. ورقة تركمان شمال العراق، هذه الفئة المغبونة امام خطر التمزق، يتقاسمها الاتراك والشيعة والاكراد والايرانيون والاميركيون، فهي من اضعف الحلقات في لعبة الداخل العراقي عرقيا ودينيا، وعامل الوقت وحسابات القوى المتصارعة تجعلها امام مفترق طرق هام لا ينقذها منه سوى النظام الديموقراطي الذي يحمي حقوقها ضمن الدستور والتمسك بشعار وحدة العراق ارضا وشعبا ومؤسسات وهذه هي مصلحة تركيا وايران والاكراد والعرب في الوقت نفسه، وغير ذلك سيجعل من هذه الفئة فتيل بارود ينفجر فيكون سببا هاما في اعادة تركيب الخريطة الجغرافية والسياسية للعراق.