اجتماعات وزراء خارجية الدول الاسلامية التي انعقدت في استانبول في اليومين الماضيين سجلت ثلاث سوابق علي درجة كبيرة من الاهمية لا بد من التوقف عندها تحليلا واعجابا:
الاولي: انتخاب الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي من خلال الاقتراع السري وليس من خلال الترضيات والتوافقات، مثلما كان عليه الحال في السابق.
الثانية: فشل الجهود السعودية والمصرية في الحيلولة دون اختيار الدكتور اكمل الدين احسان اوغلو المرشح التركي عبر الانتخابات، ومحاولة فرض مرشحهما، مثلما جرت العادة في السابق.
الثالثة: ان الامين العام الجديد ليس وزيرا سابقا مثلما جرت العادة، ولم يعين اكراما له، ولتوفير تقاعد آمن، ومرتب فخم وامتيازات ضخمة، وانما هو رجل اكاديمي يرأس مركزاً للابحاث التاريخية، ويمثل دولة اسلامية عريقة تعيش تقدما وازدهاراً، وتكاد تكون الدولة الاسلامية الاقرب الي الديمقراطية الحقيقية ودولة المؤسسات.
منظمة المؤتمر الاسلامي التي تمثل ٥٧ دولة عانت من التخلف والتهميش والعجز الكامل بسبب تحويلها الي مصدر رزق للعديد من الموظفين البيروقراطيين، وخضوعها للهيمنة السعودية، ومحاولتها تبني مواقفها بالكامل، وخاصة في الحرب العراقية الاولي عندما ساندت الغزو الامريكي للعراق.
فالامناء العامون كانوا في معظمهم ضعفاء او يؤثرون السلامة، وتقتصر انشطتهم علي حضور الاجتماعات البروتوكولية، ومحاولة ارضاء الحكومة السعودية بكل الطرق والوسائل، وتجنب اغضابها في احسن الحالات.
تصويت وزراء خارجية الدول الاسلامية بالاغلبية للمرشح التركي، ورفض توجيهات اللوبي المصري السعودي، يعنيان ان مرحلة جديدة بدأت في العمل الاسلامي، مثلما يعنيان تراجع كل اساليب الهيمنة القديمة البالية، ووجود رغبة باجراء اصلاحات هيكلية وجذرية تؤدي الي تفعيل هذه المنظمة التي من المفترض ان تمثل مليار ونصف المليار مسلم في العالم.
نفوذ الانظمة العربية يتراجع حتي في منظمات هي رعتها واسستها، مثل منظمة المؤتمر الاسلامي، لان هذه الانظمة فاسدة وديكتاتورية قمعية، ومتخلفة بكل المقاييس، ولهذا بدأت الحكومات الاسلامية تنفض عنها، وتفصح عن معارضتها لها دون خوف اوتردد.
والدكتور اوغلو الامين العام الجديد يملك كل الصفات والمؤهلات التي تبعث علي التفاؤل، فهو مولود في مصر ويجيد اللغة العربية، ويؤمن بالاصلاحات الديمقراطية، وتعهد بتطوير عمل المنظمة واخراجها من حال الجمود التي تعيشها.
والاهم من هذا وذاك، ان الرجل يمثل دولة اسلامية قوية، كانت تقود امبراطورية اسلامية عريقة، وتحكمها حاليا حكومة اسلامية منتخبة، علي عكس الدول العربية مجتمعة، ودون اي استثناء.
المهم ان تستوعب الحكومات العربية هذا الدرس، وتفيق من غيبوبتها، وتدرك انها باتت مصدر عدم احترام في العالم الاسلامي، بعد ان فقدت احترامها في العالم الخارجي، وتبدأ مسيرة الاصلاح.
فالصفعة الاولي عندما تبنت الدول الصناعية الكبري مشروعا لاصلاحها، والصفعة الثانية عندما فشلت في الفوز بتنظيم مسابقة كأس العالم، ولم تحصل ثلاث من الدول المتقدمة وهي دول عربية إلا علي الصفر المكعب، وهذه هي الصفعة الثالثة، عندما تفشل في محاولاتها لتعيين، وليس انتخاب، امين عام لمنظمة المؤتمر الاسلامي وفق مقاساتها الفاسدة المتخلفة.