فجأة أصبح الجميع معنياً بالانتخابات في العراق، وسط خليط من الآراء والمواقف التي تبدي حرصاً على تطبيع الوضع العراقي بمقدار ما تشير الى مصالح خاصة. هناك عواصم عربية انقلبت لهجتها في غضون أيام بسبب نجاحها أو اخفاقها في استضافة مؤتمر دولي ترغب فيه واشنطن آملة في اقحام الآخرين في مستنقعها وفي تعويض شرعية دولية لا تزال مفقودة. وهناك مسؤولون اميركيون ناقضوا بعضهم بعضاً في يوم واحد، اذ قال جورج بوش ان الانتخابات ستجرى في موعدها، في الوقت الذي كان دونالد رامسفيلد يقول ان الاقتراع قد يتعذر في ربع المناطق العراقية داعياً الى قبول هذا الواقع والتعامل معه بالمضي في اجراء الانتخابات مهما بلغ التوتر الأمني.
أحياناً ينبغي البحث عن حقيقة المواقف الاميركية خارج الولايات المتحدة. اذ يعبر عنها بعض المسؤولين العرب، أو يكونوا احياناً مكلفين الترويج لفكرة أوحيت اليهم ويمكن لواشنطن ان تتبرأ منها عند اللزوم. من ذلك مثلاً القول ان الأوضاع لا تسمح عموماً لإجراء الانتخابات، وفي مرحلة تالية متقدمة يمكن رمي فكرة التأجيل على الطاولة، من قبيل ان الاستحقاق بالغ الأهمية لمستقبل العراق، وبالتالي يجب عدم المغامرة بخطوات ناقصة أو غير صحيحة لئلا تترك مشاكل لما بعد الانتخابات. لذا بات السؤال مطروحاً: من المستفيد من اجراء الانتخابات، ومن المستفيد من تأجيلها أو عدم اجرائها؟
كان تلويح رامسفيلد بإمكان سحب القوات الأميركية، بغض النظر عما اذا كان الوضع العراقي هادئاً أم لا، بمثابة انذار كاذب عن قنبلة موقوتة. صحيح ان لاميركا سوابق من هذا النوع، إلا أنها موجودة في العراق بإرادتها ولأهدافها لا من أجل العراقيين. صحيح ايضاً ان البعض يذهب الى حد القول ان قرار الانسحاب يتخذ بموافقة اسرائيل أو لا يتخذ ابداً، لكن الأصح انه يستحيل الانسحاب طالما ان الأهداف الاميركية داخل العراق وفي محيطه الاقليمي لم تتحقق. ومع ذلك، شاء رامسفيلد ان ينذر الشركاء والمرشحين (العرب) للشراكة في الهم العراقي بأنهم اذا لم يحسموا أمرهم فإن واشنطن لا تستبعد سيناريو الفوضى العامة التي لن تؤدي إلا الى تفتيت العراق وتقسيمه.
واقع الأمر ان الاميركيين باتوا مقتنعين بأن الانتخابات، حتى لو أُجريت في موعدها، وعلى نحو سليم ومعقول، ليست آخر المطاف أو نهاية المتاعب. والأهم ان اقتراعاً حراً ونزيهاً ينطوي على خطر المجيء ببرلمان «يكره اميركا» ليس حباً باستعادة صدام حسين، وانما لأن المجتمع العراقي لم ينس الإساءات الاميركية في سنوات الحصار، ولم يتفهم دواعي إلغاء الدولة والجيش بعد الاحتلال، ولم يتقبل ظواهر الفساد الفاحش التي ازدهرت بفضل الأموال الاميركية التي منحت الى اعوان الاحتلال، ولم يعرف كيف تبخرت هذه الأموال - العراقية في حسابات المستقبل - على مشاريع وهمية من دون ان تتحسن الخدمات أو يستتب الأمن، بل من دون اشعار الناس بأن الدولة عادت ويمكنهم الاعتماد عليها في تنظيم شؤونهم. . .
اذاً، زرعت حتى الآن افكار عدة: الانتخابات قد لا تكون نزيهة تماماً، قد تستثنى منها مناطق بسبب الوضع الأمني، قد تؤجل. . . من الممكن اعتبار الحكومة الموقتة مستفيدة من التأجيل، لأغراض كثيرة لا يصعب تصورها. وهي بحكم كونها موقتة، يفترض ان تركز على تنظيم الانتخابات، لكن باستثناء الأكراد يتعذر القول ان أياً من «الأقطاب» والوزراء الآخرين يمكن ان يفوز في انتخابات «حرة ونزيهة». هذا احتمال واقعي جداً، ولا يريد الاميركيون أو أعوانهم مواجهته. لذا يبقى «الحل» في تركيب برلمان يصار الى استنخابه، على غرار تركيبة «المجلس الوطني» الحالي، بحيث يبدو المجلس المقبل شيئاً هجيناً ما بين الانتخاب والتعيين برعاية السفير الأعظم جون نيغروبونتي.
قبل ذلك، ستحاول الولايات المتحدة مجدداً بكثير من الترهيب وقليل من الترغيب، ان تجرّ اقدام المترددين الى داخل العراق للتورط معها. هذا هو الهدف من «المؤتمر الدولي»، الذي سيسعى الى اسقاط شروط والشروط المضادة للمشاركة بقوات عسكرية في العراق. لكن الاميركيين سيستغلونه في أي حال لتمرير املاءاتهم الاقليمية، فهم لم يغيروا شيئاً في خططهم، وكل ما في الأمر انهم يبحثون عمن يسهل عليهم ورطتهم فيدفع برجاله وقوداً في الأتون العراقي. أما الانتخابات فتبقى قصة اخرى.