تأليف: الأستاذ الدكتور أحمد آق كوندوز والدكتور سعيد أوزترك
قراءة: الدكتور اكرم محمد عبد كسار
نقدم هذا المؤلف والمنشور أصلاً باللغة التركية وتحت عنوان BILINMEYEN OSMANLI
لما اتسم به من علمية و إمكانية ومكانة مؤلفه في المحافل العلمية وموضوعيته ومناقشته وتوثيقه للدولة العثمانية التي تصدرت العالم الإسلامي مدة ستة قرون والتي حكمت أجزاء واسعة منه، وعلى الرغم من كل ما يقال حول الدولة العثمانية إلا أنها لعبت دوراً هاماً في هذه الحقبة من التاريخ، فتاريخها هو ضمن تاريخنا سواء قبلنا بذلك أو رفضنا وقبل ذلك فهو جزء محسوب على التاريخ الإسلامي ككل.
ومما يؤسف له حقاً أن هنالك معلومات خاطئة قد قُدمت عن الدولة العثمانية و ذلك كان من قبل المؤسسات الاستعمارية و الإستشراقية و التي عملت بطرق شتى في العالم الإسلامي والتي حاولت أن تلصق كل سيئة بالدولة العثمانية متجاهلة أي تأثير إيجابي للعثمانيين، وممجدة في الوقت نفسه النموذج الغربي بكل ما فيه.
لقد حاولت القوى الأوربية بكل ما تملك من تجارب أن تضع الحواجز بين الشعوب الإسلامية والدولة العثمانية، وظنت أنها نجحت في ذلك.
وكتب عن الدولة العثمانية مؤرخون كثيرون وتعرض لحكمها كتاب كُثر، وأن الجميع ينهلون من منهل واحد هو الخلاف على الأقل مع العثمانيين، وأعطوا عنها صورة قاتمة.
والأمر المثير للعجب، أن مفاهيم المستشرقين الخاطئة، وافتراءاتهم المريبة حول التاريخ والحضارة الإسلامية في العصر العثماني، لم يطرأ عليها تغيير يذكر واستمر تداولها بالرغم من ظهور العديد من الدراسات الأكاديمية التي كشفت زيف هذه الادعاءات المتوارثة عن التاريخ والحضارة العثمانية من خلال الوثائق الأرشيفية والمصادر الأصلية، مكنتهم من توجيه الانتقادات العلمية في العديد من القضايا التي أدلى بها المستشرقون بدلوهم حول التاريخ والحضارة العثمانية.
ويأتي كتاب البروفسور الدكتور أحمد آق كوندز الموسوم بـ " الدولة العثمانية المجهولة " ليميط اللثام عن التاريخ العثماني وليقوم بتنقيته وتحريره من توجيه دراسات ونظريات المستشرقين وتلامذتهم من المستغربين.
وتدور صفحات الكتاب حول (٣٠٣) سؤالا تم اختيارها من (٥٠٠٠) سؤال والإجابة عليها بكل دقة وعلمية من قبل البروفيسور الدكتور أحمد آق كوندوز ولكي يستكمل هذه الدقة والعلمية أشرك الدكتور سعيد أوزترك المتخصص في التاريخ الاقتصادي في تناول مواضيع الاقتصاد العثماني لكي يكون الكتاب في أفضل صورة وأكمل علمية وأدق.
وقد وضع مؤلف الكتاب مبادئ معينة بحيث نظم أسلوبه ومحتوى كتابه وفق تلك المبادئ مثل الرد على المزاعم التي أُلصقت بالدولة العثمانية بالدليل الذي يوثق الرد، النظر من خلال منظار يسمح برؤية الأشياء الإيجابية والأشياء السلبية معاً، النظر إلى تاريخها بمنظار النقد البناء المنطلق من الرغبة في إيضاح الحقيقة وبيانها، عقد المقارنة بين الأشياء المتشابهة وفي نفس الفترة الزمنية.
قَسم الكتاب إلى أربعة أقسام، خصص القسم الأول للأسئلة المتعلقة بالتاريخ السياسي للدولة العثمانية والأجوبة عليها حول كل سلطان وبجانبيه القانوني والاقتصادي. وفي القسم الثاني تم تناول الأسئلة المتعلقة بالحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية وموضوع الحريم. أما القسم الثالث فتم فيه تدقيق النظام الحقوقي والقانوني العثماني، والمسائل المتعلقة بالتشكيلات الإدارية للدولة العثمانية وأخيراً دون في القسم الرابع والأخير الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالناحية الاقتصادية والقوانين المالية في الدولة العثمانية.
مؤلف الكتاب عالم جليل وباحث متميز له سعت ودراية في الدراسات العثمانية واطلاع واسع ليس في جانب واحد بل بجميع الجوانب ذات الصلة بعنوان الكتاب، فقدم لنا بذلك ما هو المجهول في ذلك الجزء المتميز من تاريخها كجزء من التاريخ الإسلامي والذي استمر لستة قرون من الزمن والذي غمط حقهم من قبل الكثير من الذين كتبوا عن التاريخ العثماني تحت المثل الذي يقول (لغاية في نفس يعقوب)، ومن أشهر مؤلفاته والتي دونت جميعها باللغة التركية:
١. الدولة العثمانية المجهولة (وهو الكتاب الذي بين أيدينا).
٢. نظام دستور الدولة العثمانية وسنداتها القانونية (١٢ جزءا).
٣. قرارات المحاكم الشرعية في الدولة العثمانية.
٤. نظام الوقف في الفقه الإسلامي وتطبيقه في حكم الخلافة العثمانية.
٥. تاريخ النظام القانوني التركي.
٦. حقوق الإنسان في الإسلام.
٧. قوانين الدستور القديم مقارنة بالدستور الإسلامي.
٨. القوانين العثمانية وتحليلاتها الشرعية.
وهو ملم باللغة التركية العثمانية ومتمكناً منها وعارفاً بمراحل تطور هذه اللغة مقدماً لنا فائدة جمة في تسجيل ومتابعة حركة التاريخ العثماني عبر العصور كما رسم لنا صورة جلية واضحة عن إنجازات وفتوحات ومعالم بناء شامخ، مجسداً المثل والقيم فيما كتبه. كما عرض صورة واقعية للحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية للدولة من زوايا عدة تساعد من يقرأه على فهم هذا العصر وعلاقته ومفاهيمه التي كانت سائدة آنذاك.
أما الكتاب فهو من النوع الذي يعرف بالسهل الممتنع، إذ لا يقدم على إنجازه بهذا الشكل الجامع والشامل والسهل الفهم بدون الإسهاب في تفاصيل يضيع القارئ بين سطورها، وهو جامع شامل واضح الدقة لمن يقرأه عن العثمانيين ويشعر معه بالمتعة والرغبة في متابعته إلى أخر صفحة منه لوجود عدة عناصر فيه منها معلوماته المشوقة والمتسمة بدقتها العلمية والرغبة في الاطلاع على ماضيه من معلومات متنوعة ومن حوادث تاريخية متعددة ومن جانب فكري متميز ومن فلسفة تاريخ سهلة الفهم ومن قوانين عثمانية كانت السباقة في الكثير من الجوانب في العالم والتي أُفيد منها لاحقاً، ومن منجزات وبلورة معطيات ثقافية وعلمية ومدنية واقتصادية كان لها صداها ولازال حتى يومنا هذا، فاتحة صفحات مضيئة في تاريخنا الإسلامي. كما أثار الكتاب مواضيع بكر لم تثر وتناقش من قبل.
إن هذا الكتاب بترجمته من اللغة التركية إلى اللغة العربية له فائدة عميقة وسيكمل نقصاً كثيراً ما عانت منه الدراسات العربية حول التاريخ في العصر العثماني، ويقدم عرضاً جديداً غير مسبوق للتاريخ العثماني بين طيات صفحاته، وذلك ليتعرف أبناؤها على جزء من تاريخهم ويقفوا على الخدمات التي قدمتها الدولة العثمانية.
الخلاصة التي نقدمها للقارئ الكريم من خلال قراءتنا لهذا المؤلف هو قيام مؤلفه بإماطة اللثام عن الدولة العثمانية من خلال متابعته للوثائق و ما أُلف حولها وما أُشيع عنها في الآتي:ـ
أولا- لا توجد دولة إسلامية على امتداد التاريخ الإسلامي شغلت ببعديها الزماني والمكاني ما شغلته الدولة العثمانية والتي تمثلت بزهاء الستة قرون والعشرون مليون كيلومتر مربع، بحيث أنها وصلت بعد تقسيمها إلى اكثر من ٣٥دوله.
ثانياً- بدأت البدايات الأولى لوجودها على أساس الجهاد والتمسك بالشريعة، واتخذت من الثغور ساحتها التي انطلقت منها رافعة كلمة الله اكبر عالياً، واستمرت في تقدمها طوال الفترة التي كان حكامها على رأس حملاتهم الجهادية وعندما بدأ التواني يدب فيهم و التخلف المتعمد عن قيادة الجيوش بدأ العد التنازلي لصعودها، ومما يؤكد ذلك هو تحولها من قبيلة تعدادها ٤٠٠ فارس فقط إلى دولة عالمية يحسب لها كل الحسابات، بعد أن خاضت معارك فاصلة يشهد لها التاريخ.
ثالثاً- كشفه عدم صدق وزيف ما دونه المستشرقون ومن تبعهم من المستغربين حول الدولة العثمانية بمختلف جوانب الطعن التي حاولوا من خلالها الطعن بالدولة العثمانية بما تصوره لهم أهوائهم وذلك لعدم درايتهم واطلاعهم على التاريخ الإسلامي فهنالك الكثير من المؤسسات والتشريعات الإدارية التي اعتمدتها الدولة كانت أساسا موجودة فيمن سبقها من دول إسلامية أخرى سواء أكانت عباسية أو غيرها، وكما هو معلوم لكل عصر مستجداته التي تفرضها متطلبات العصر حتى وان كان هناك بعض الأمور التي أخذت من الآخرين فلم تؤخذ إلا بعد التأكد من أنها لا تتصادم أو تتقاطع مع الشرع وليس في ذلك أيُ ضير.
رابعاً- أن الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية تحت أي مسمى من المسميات ليس رغبة في خوضها أو تعطشها للدماء و إنما فرضتها أمور عدة منها في سبيل الله و إعلاء كلمته ودينه أو للدفاع عن النفس ورد الاعتداء بمختلف أنواعه وأشكاله أو لاستنجاد الأقليات المسلمة أو لأسباب إنسانية أو لتطبيق الشرع.
خامساً- إعادة توحيد المسلمين تحت راية الخلافة الإسلامية منشأت بذلك أعظم دولة إسلامية شهدتها الأمة وكانت خير بوتقة لصهرها.
سادساً- لقد وصلت الدولة العثمانية بفتوحاتها إلى ارض لم يطرقها الإسلام من قبل ولم تتمكن أية دولة أوربية منفردة من مواجهتهما فلذلك حاولت أوربا أن تشكل أحلافا وتحالفات بينها صبغتها بالتقديس.
سابعاً- لم يكن الوجود العثماني في العالم العربي إلا وباءً عليه وهذا شعاراً أطلقه الغرب وتبناه البعض من العرب بطريقة اعتباطية بدون دراسة وبدون تمحيص وفحص وتدقيق واليوم مصيبة السياسيين والصحفيين والإعلاميين إذ انهم يعيشون على معلومات قرءوها في المكتبات المدرسية.
ثامناً- إن ما أطلق عليها تسمية المشكلة الأرمنية ما هي إلا محاولة غربية هدفها زيادة أضعاف الدولة العثمانية ومعاونة القوى الانفصالية فيها لكي يسهل عليهم استعمار الأقاليم التي كانت ضمن الدولة العثمانية وبعد ذلك حاولوا زيادة الضغط من خلال ادعائهم بان الأرمن قد ذبحوا على يد الأتراك ليس له باب من الصحة فالوثائق تكذب ذلك من خلال أن الكثير من الأرمن تبؤ مراكز متقدمة في الدولة وكانوا كغيرهم من رعايا الدولة الآخرين ولم يحصل أي تطهير عرقي لهم.
تاسعاً- كانت الجيوش العثمانية أقوى جيوش العالم، بالإضافة إلى ما تمتعوا به من حماسة دينيه، ورغبة في الجهاد، وحسن تدريب، وابتكار في الأسلحة، بل وفي الخطط القتالية والحربية، وعرف التاريخ منهم قادة وسلاطين عظام نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر محمد الفاتح وسليمان القانوني، كانت لهم بصمات بارزة في تاريخ الإنسانية في ذلك الوقت.
عاشراً- طبقت الدولة العثمانية الشرع الإسلامي في تسامحه وتعامله مع الديانات الأخرى ولنا في ما حصل في فتح استنبول خير شاهد على ذلك.
حادي عشرـ تآمرت دول الغرب على الدولة العثمانية، وتطلعت إلى وراثة ما أسموه تركة الرجل المريض، أي احتلال بلاد المسلمين احتلالاً عسكرياً، وتوزعت دول الإسلام كمستعمرات بين عدد من الدول الغربية، وبسقوط الخلافة العثمانية انقسم العالم الإسلامي إلى دول لا يربط بينها رابط سياسي، ولقد كان هم الاستعمار الغربي في المقام الأول هو إقصاء الشريعة الإسلامية عن تنظيم حركة الحياة، و إحلال المفاهيم العلمانية و النعرات الوطنية والقومية بديلا عنها، بالإضافة إلى تفتيت الدولة إلى دويلات، والاستغلال المادي لموارد هذه الدول عن طريق نهبها واستخدام هذه الدول كأسواق لبضائعها، وتكريس الضعف والفقر والتخلف في أنحائها.
ثاني عشرـ انتهاك تاريخ الدولة العثمانية تحت وقع مسميات وحجج كثيرة أتسمت بكونها واهية وانبرت أقلام التشكيك بدور معاول هدم، وتكاثرت عليها المشاريع الاستعمارية لتصل الى مائة مشروع استعماري لمحاربتها وتقسيمها إذ عمل الغرب على تصفية الدولة العثمانية بحملة منظمه اكثر من ٢٢٠سنه، بدأت بمعاهدة كارلوفجه سنة١١١ هـ/١٩٢٠م التي قضت بتخلي الدولة العثمانية عن أقاليمها في أوربا وأفريقيا واسيا.
ثالث عشرـ الدعوة إلى إعادة النظر في كل مادون عن التاريخ العثماني بعيدا عن الوثائق التي تخص تاريخها بشكل عام أو موضوعا أو فترة معينة بشكل خاص.
رابع عشر ـ لا تخلو الدولة العثمانية من سلبيات وقد يكون البعض منها قاتلا إلى الدرجة الذي لعب دوراً أساسياً في إنهائها ومسحها من خارطة الوجود المكاني.
مجلة علوم انسانية www. uluminsania. net العدد ١٤، السنة الثانية (اكتوبر ٢٠٠٤)