في هذه الأيام لم نعد نسمع من قوات الاحتلال، وهم "ضيوف العراق الجديد، " كلمات مثل: "الحفاظ على وحدة العراق، " و"السيادة العراقية، " و"وحدة التراب العراقي، " و"منع النزاع
الطائفي، " كما كنا نسمعها باستمرار من أول حاكمين لسلطة الاحتلال (جون غارنر وبول بريمر). غابت هذه المصطلحات تماما بالرغم من أن حركتين انفصاليتين قد تبلورتا سريعا داخل الوطن وأخذتا تطرحان خططهما الانفصالية علنا: واحدة معروفة في شمال العراق (دهوك، وأربيل، والسليمانية) وهي تستعد الآن لـ "معركة المصير" (ومعركة المصير بعرفها يعني الحرب الأهلية) لضم كركوك إليها، والثانية في الجنوب (البصرة، والعمارة، والناصرية) ولا يبدو (لحد الآن على الأقل) أن للحركة الانفصالية الجنوبية "معركة مصير" على جدول أعمالها.
عبارات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد التي اعتاد أن يطلقها وهو يرفع يديه إلى الأعلى والأسفل، يمينا وشمالا ونصف ابتسامة على وجهه، لم تتضمن منذ شهور أي كلمة عن حرص الولايات المتحدة على "وحدة تراب العراق، " تتركز الآن على "أبي مصعب الزرقاوي، " و"معركة العالم الحر ضد الإرهاب الدولي على أرض العراق" ودعوة الدول العربية "إرسال قوات للعراق. " آخر أحاديث رامسفيلد تركزت عن وجود "بضعة ألفي إرهابي" في بضعة "ست أو سبع مدن" (بما فيها مدينتي النجف والصدر) لابد من استئصالهم للقضاء على الإرهاب في العالم.
هناك من يعتقد أن مرحلة "تحطيم الدولة العراقية" قد شارفت على الانتهاء، بعد سنة ونصف من العمل المنهجي المنظم، وأن المحافظين الجدد من اليمين الصهيوني في إدارة بوش على وشك الشروع بمرحلة "تقطيع أوصال" العراق إلى كيانات قد تتجاوز الثلاث إذا ما مشت الخطة الإيرانية بأن يمنح للنجف وضع دولي خاص يكون لإيران اليد الطولى فيه. لا أظن هناك من يعرف أو يستطيع التكهن، بما في ذلك العراقيين الساكنين في المنطقة الخضراء، كيف ستسير عملية تقطيع أوصال الوطن على يد "ضيوف العراق الجديد" والمتعاونين معهم، لكن يعتقد أن العملية يمكن أن تنجز بين خمس وعشر سنوات.
ليس من المعقول أن نتحدث عن جريمة تقطيع أوصال وطن (وكل من يساهم في تقطيعه يموت حبا وعشقا بالعراق… لكنه يسكن في المنطقة الخضراء) دون أن نعرف جذور وأساس هذه الخطة. باختصار شديد أنها خطة خاصة بالعراق… وبتوقيع إسرائيلي صرف، وإليكم المقال.
لا يمكن أن نقرأ الورقة التي أعدها الدبلوماسي السابق بوزارة الخارجية الإسرائيلية (عوديد ينون) هكذا كأي كلام دون تمعّن وتدقيق. الورقة ليست حديثة، بل يبلغ عمرها اليوم ٢٢ عاما، غير أن مضمونها يبدو وكأنه كتب في يوم العار في التاسع من نيسان/أبريل ٢٠٠٣ وهو اليوم الذي جعل منه أول قرار لمجلس الحكم المنحل "عيدا وطنيا للعراق". نشر (ينون) ورقته في شباط/فبراير ۱٩٨٢ في مجلة (كيفونيمKIVUNIM) الصادرة عن قسم النشر في المنظمة الصهيونية العالمية (The World Zionist Organization، Jerusalem) تحت عنوان "ستراتيجية لإسرائيل في الثمانينات".
يقول: أن الدول العربية التسع عشرة هي "قصور من ورق بنيت من قبل قوى أجنبية ضد إرادة مواطنيها". تتكون من مجموعات عرقية مختلفة، وأقليات، تعادي كل واحدة منها الأخرى، أنها مهددة من الداخل بالانشقاقات العرقية والاجتماعية وفي البعض منها بالحروب الأهلية. وعليه ينبغي على الشرق الأوسط أن يفكر "بتحولات جذرية. "
أن تفسخ لبنان إلى خمس مقاطعات هي صورة مجسدة للمصير الذي ينتظر العالم العربي بأكمله، بما فيه مصر وسوريا والعراق وكامل شبه الجزيرة العربية… أن تقسيم العراق إلى مقاطعات متجانسة عرقيا ودينيا كما هو حال لبنان، هو أحد أولويات أهداف إسرائيل…
سوريا ستنقسم إلى عدة دول، طبقا للأقليات العرقية، وهكذا فإن الساحل سيصبح دولة علوية شيعية، ومنطقة حلب دولة سنيّة، وفي دمشق دولة سنيّة أخرى معادية لجارتها في الشمال، وسيشكل الدروز دولتهم الخاصة بهم التي ربما ستمتد على منطقة الجولان التي بيد إسرائيل، وستمتد في كل الأحوال إلى حوران وشمال الأردن…
في ورقته كتب عن العراق ما نصه:
"العراق، الغني بالنفط من جهة والممزق داخليا من جهة أخرى، قد تم التركيز عليه ليكون مرشحا لخيار التحرك الإسرائيلي وتطبيق الأهداف الإسرائيلية. أن تفكيك هذا البد أكثر أهمية لنا من تفكيك سوريا. العراق أقوى من سوريا. وعلى المدى القصير فإن القوة العراقية هي التي تمثل التهديد الأكبر لأمن إسرائيل. أن الحرب بين العراق وإيران ستمزق العراق إلى أجزاء وتسبب في تفككه حتى قبل أن يتمكن من الاستعداد لتنظيم عمل عسكري على جبهة عريضة ضدنا. أن بذور النزاعات الداخلية والحرب الأهلية في العراق بدأت تتضح من اليوم خاصة بعد صعود الخميني إلى السلطة في إيران وهو زعيم ينظر إليه الشيعة في العراق على أنه قائدهم الطبيعي. كافة أنواع النزاعات العربية ستساعدنا على المدى القصير وستقصّر من مسافة الطريق للوصول إلى أحد أهم أهدافنا وهو كسر العراق وتحويله إلى كتل من الجماعات الدينية والطوائف والملل والفئات كما هو الحال القائم في سوريا ولبنان… في العراق من الممكن أن يقوم الانقسام على أساس أقاليم بخطوط عرقية/دينية كما كان الأمر في وسوريا خلال الحقبة العثمانية. وعليه ستظهر ثلاث دول (أو أكثر) ستنشأ حول المدن الرئيسية الثلاث: البصرة وبغداد والموصل. مناطق الشيعة في الجنوب ستنفصل عن السنة والأكراد في الشمال. من الممكن أن تعمق المواجهة الإيرانية ـ العراقية الحالية من هذا الاستقطاب. (انتهى الاقتباس)
قد يقول قائل: الخطة لا يمكن أن تكون إلا خطة وقد قرأنا وسمعنا العديد منها. لكننا نرى نظيرا لهذه الخطة عند (زائيف شيف) المحلل العسكري في صحيفة هاآرتز حيث يقول في مقال بالصحيفة عام ۱٩٨٢: "الأفضل لإسرائيل هو تفكيك العراق إلى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية". الفرق في ورقة ينون أننا نرى فيها أجواء قريبة جدا مما يقوم بتنفيذه البيت الأبيض في العراق اليوم، بالرغم من أنه كتب ورقته قبل ٢٢ عاما.
لقد أخفقت الحرب العراقية ـ الإيرانية في إنجاز مهمة انحلال العراق وتفسخه، وهكذا سارع المحافظون الجدد بالضغط لتدمير العراق. يعود هذا بالدرجة الأساس لجهود لا نظير لها بذلها ثلاثة يهود: دوغلاس فيث، وبيرل، وفولفتز. قام الثلاثة يعاونهم عراقيون على رأسهم أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي بتغذية النظام السياسي الأمريكي بمعلومات استخبارية إسرائيلية مطعّمة سلفا بالكذب والخداع.
أما اليوم فهاهي قوات الاحتلال وعملائها داخل العراق (سواء كانوا عراقيين أو إسرائيليين) يحاولون أن ينهوا بأسرع وقت المقترحات التي تقدم بها ينون ليتوجهوا نحو عمليات مماثلة ستجري في كافة الدول العربية لكسر كل دولة إلى أجزاء وخلق مقاطعات عرقية ومذهبية. كل ما نرى من أحداث تجري في العراق اليوم يمكن أن نجدها مدونة في الخطط الصهيونية المتعلقة بالشرق الأوسط، وورقة ينون جزء من هذه الخطط.
ليس هناك من شك أن يتم في يوم من الأيام (ليس بالضرورة أن يكون قريبا) "تكريم" فيث بإقامة تمثال له في إسرائيل. أما الخونة العراقيين فلن ينالوا مثل هذا "الشرف" وسيبقوا "غونيم" مهما قدموا من خدمات.