أهالي منطقة تـِسين * (تسعين) يطالبون الجهات المختصة إيلاء الأهمية لمطالبهم العادلة
صحيفة (توركمن ايلى) – العدد (٦٥٦) بتاريخ يوم الأربعاء ١٤-٤-٢٠٠٤
مَنْ يُنكر الإجراءات الاستثنائية الجائرة التي تعرضت لها بعض المناطق في العراق منها كركوك الجريحة عموماً وتسين (تسعين) الذبيحة بصورة خاصة التي وقفت بلك شموخ وإباء أمام تحديات أعتى قوة حاكمة، تحديات كانت فوق كل تصور شهدت مرة تلو أخرى مجازر بشعة ذنب أهلها أنهم آمنوا بالله وزادهم الله هدىً، وكانت تُحاك ضدها دوماً مؤامرات خطيرة تستهدف وجودها وحياة أبنائها وكان لتلك الطغمة الشوفينية ما تمنّوا في تحقيق أحلامهم المريضة.
نحن أبناء تسين حملنا الأمانة الملقاة على عاتقنا بكل ثقة ولم يحالفنا الحظ في نيل شرف الشهادة مع تلك النخبة التي سبقتنا إلى كرامةٍ ما بعدها كرامة بعد الاتكال على الله نلوذ بكم اليوم وقد انقشعت الغمامة السوداء عن سمائنا وزالت الغمة عنا، وغير خافٍ عنكم معاناتنا طوال حكم العفالقة من ظلم الطغمة التي عاثت في الأرض فساداً. واليوم أشرقت شمس الحرية والديمقراطية في العراق فإن البقاء على مُخلَّفات النظام البائد لا ينسجم مطلقاً مع السياسة الجديدة، فإن إعادة الحق إلى نصابه ونصرة المظلوم يعتبر هدفاً استراتيجياً للحكم الجديد. فعليه نسعى بقلوبٍ عامرةٍ بالثقة وكلنا أمل بأن صدور المسؤولين الحرة تتسع لطرح قضايانا وصرخاتنا التي بحت في حلوقنا عسى أن تلقى آذاناً صاغية لدى المنظمات الإنسانية والأحزاب السياسية وكل مسؤول في الدولة ويمكن إيجاز تلك المعاناة في النقاط التالية:-
١- تسين (تسعين) كانت قرية وادعة بعيدة عن عيون المسؤولين منذ تأسيس الحكومة الوطنية في العراق وظلت كما هي الحال في عموم كركوك محرومة من كل التفاتةٍ كريمةٍ لكونها تركمانية الهوية وشيعية العقيدة وبعد حركة التوسع التي حصلت في مدينة كركوك أصبحت تسين إحدى محلاتها وهي لا تبعد عنها سوى ثلاثة كيلومترات ولكن مأساتها الأليمة بدأت تحديداً بعد استلام حزب البعث الحكم في العراق سنة ١٩٦٨ حيث صبوا جام غضبهم ونفثوا نار حقدهم على رؤوس هؤلاء الناس ونتج عن ذلك سوق المئات إلى زنزانات رهيبة وفي غياب القانون وأعدم منهم أكثر من مائتين بينهم الطفل الذي لم يبلغ الحلم والشيخ الذي بلغ من العمر عتياً ناهيك عن الذين لفظوا أنفاسهم أثناء التعذيب الوحشي وأُخفيت جثثهم عن ذويهم ودُفنوا في مقابر جماعية.
٢- نظراً للضغوط النفسية التي مارسها أزلام البعث ضد أهالي تسين البطلة تشرّدوا أفراداً وعوائل إلى أصقاعٍ بعيدة هرباً من الموت الزؤام ونجوا بجلدهم تاركين وراءهم ممتلكاتهم ووظائفهم.
٣- حُرِّمَ أبناءُ تسين من نيل الوظائف الحكومية بسببٍ عرقي أو بحجة عدم ولائهم لحزب البعث ورفضهم الانتماء إليه وخَلَقَ هذا الإجراء التعسفي حالة مربكة في المستوى المعيشي لهذه الشريحة المثقفة التي كان بينها حملة الشهادات العليا ورغم تلك المؤهلات العالية لم يتسنَّ لهم تحقيق أمانيهم في الحصول على أية وظيفة عاشوا في حالة نفسية مؤلمة بسبب شعورهم بالغبن ومئات العاطلين من أبنائها خير دليل على ذلك.
٤- تجريدهم من أبسط حقوق المواطنة في امتلاك وشراء قطع أراضٍ أو دورٍ سكنية تأويهم من غائلة الزمن.
٥- مصادرة جميع أنواع حرياتهم في مطالبة حقوقهم المهضومة أو الإعراب عما يجري في حقهم من ظلمٍ وتعسفٍ ومَنْ تجرّأ وصرخ أو تأوّه من الألم فإن ذلك يعتبر جريمة لا تُغتفر نتيجتها الإعدام أو السجن المؤبد.
٦- إستملاك آلاف الدونمات من أراضيها الزراعية بحجة إقامة معسكرات للجيش أو توزيعها على البعثيين والمسؤولين قد جعلهم أمام كارثة معيشية، إذ أن اعتمادهم الرئيسي كان على الزراعة بالدرجة الأولى وبعد أن أُبعدوا عن مصدر رزقهم أصبحوا في فقرٍ مدقعٍ ورغم ذلك لم تطأ رؤوسُهم لأولئك الطغاة.
٧- فصل الموظفين من أبنائها من وظائفهم أو إبعادهم إلى محافظات أخرى مع استعمال كافة أنواع الممارسات اللاإنسانية من اضطهاد وحجب الحقوق المشروعة عنهم.
٨- ممارسة التطهير العرقي والطائفي مع أهالي تسين الآمنين بل مع التركمان جميعاً بعيداً عن المسؤولية الأخلاقية مما أدّت تلك الممارسة التعسفية إلى حرمان أبنائها من أداء شعائرهم الدينية وطقوسهم القومية حتى مُنِعوا من التحدّث بلغتهم في الأماكن العامة والمحافل الاجتماعية وكان ارتداء السواد في مُحرَّمٍ الحَرام أو الاستماع إلى محاضرة دينية أو تخليد ذكرى واقعة الطَّفِّ ولو سِرّاً في البيوت يُعتبر جريمة عقابها غياهب السجون والمعتقلات.
٩- منع أهالي تسين من دفن موتاهم في مقبرتهم الوحيدة التي لا تبعد عنها سوى بضع مئات من الأمتار بحجة وقوعها داخل معسكر مفتعل رغم أنها بعيدة عنه ومُسيّجة بسياج فاصل، علماً بأن هناك مقبرةً للأخوة المسيحيين تقع داخل الفيلق الأول، فإن هذا التعامل المتناقض والكيل بمكيالين لدليلٌ قاطعٌ على شوفينية النظام البائد وعلى حقدهم على شريحة دون سواها وبُعدهم عن الدين الإسلامي الحنيف.
١٠- وأخيراً لم يكتف أولئك الحاقدون لكل تلك الجرائم المروِّعة وكشفوا عن أنيابهم البشعة لتمزيق أوصال البقية الباقية من أولئك الناس الذين لا جريمة لهم سوى أنهم تركمان، قرَّرَ النظام هدم المحلة برمتها وترحيل أبنائها على أحياء متعددة ومتباعدة تشتيتاً لشملهم وتمزيقاً لوحدتهم وتفريقاً لتآلفهم ووُزِّعت البقية الباقية من دورهم على أناس جيءَ بهم من محافظات مختلفة وهم الآن شاغلوها. وهكذا أصبح أهل تسين البطلة أشلاء متناثرة هنا وهناك تنـزف أسىً وألماً وهم في اشتياقٍ للعودة إلى مهدِ صباهم وقاموس ذكرياتهم قُرَّةِ العين تسين.
بعد أن أوجزنا قسماً كبيراً من المظالم التي أصابتنا والغُبن الذي وقع علينا نستصرخ كلَّ ضميرٍ حيٍّ في موقع المسؤولية أو الذي له صوت مسموع في المجتمع العراقي أن يمدَّ لنا يدَ العون وتحديداً نرجو من السادة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ورؤساء الأحزاب السياسية والمنظمات الإنسانية تحقيق المطالب التالية:-
(١) بناء مجمع سكني في نفس البقعة التي كانت تسين القديمة (تسعين القديمة) قائمة عليها قبل الهدم ويقدَّر عدد عوائل أهل تسين المشردة أكثر من ٥٥٠٠ عائلة وتوزيعها عليهم مجاناً وكذلك بناء مساجدها السبعة التي هُدِّمت في تلك الظروف على أن تُراعى في بناء ذلك المجمع جميع المتطلبات العصرية والمرافق الخدمية ومراكز التعليم وغيرها كما نطالب بانسحاب قوات التحالف وغيرها من الرقعة الجغرافية لحدود تسين القديمة قبل سنة ١٩٦٨ وأراضيها التي تقع ضمن الرقعة.
(٢) إلغاء كافة قوانين الحجز والاستملاك الجائرة وإعادة ملكية الأراضي الزراعية التي استغلت من قبل الدولة منذ السبعينيات إلى أصحابها الشرعيين وكذلك تعويضهم عن بدلات الإيجار منذ استغلالها إلى تاريخ إعادتها تعويضاً عادلاً.
(٣) هناك بعض الدور السكنية استملكتها الدولة قسراً أو صادرتها بعد أن حكم على أصحابها في محاكمات صورية بالإعدام أو السجن وبعد زوال الظروف الاستثنائية فإن الجهات المعنية مطالبة بالنظر في تلك القضايا بعين الرأفة وحلّ المعضلة المستعصية التي خلقها أناس منحرفون علماً بأن أغلبها لا زالت مشغولة من قبل مواطنين جاءوا من محافظات أخرى لأسباب لا تُخفى عليكم نطالب إخلاءها بعد تعويض الساكنين فيها.
(٤) إيجاد فرص عمل لآلاف العاطلين في وظائف تناسب مؤهلاتهم وشهاداتهم واحتساب من سنة تخرّجهم إلى تاريخ تعيينهم خدمة فعليّة لهم لأنهم حُرموا ظلماً وعدواناً من تلك الوظائف بسبب عرقي أو بسبب رفضهم الانتماء في حزب البعث المقبور فهم اليوم في ترقب بما يأتيه الغد لهم من خيرٍ وفيرٍ وقد مَلّوا الانتظار ونفذ صبرهم ولا نأمن إلى ما تدفع بطونهم الخاوية وجيوبهم الخالية من نتائج لا تُحمد عقباها.
(٥) السماح دون قيد أو شرط لأهل تسين دفن موتاهم في مقبرتهم الوحيدة الواقعة بالقرب من مرقد أحد الأولياء والمعروف باسم (سلطان ساقي) وهي مُستَغَلّة حالياً من قبل قوات التحالف.
إن تلك البقعة الطاهرة تُمثِّلُ امتدادَهم إلى قلب التاريخ ففيها جذورهم وشواهد أصالتهم ووثيقة عراقيتهم منذ عشرات القرون كما نطلب السماح لهم بزيارة ذلك الضريح الذي له قدسية خاصة في شعائرهم الدينية.
(٦) إزالة كافة الأوضاع السلبية التي خلّفها النظام السابق من تخلّف اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي وخلق ظروفٍ مناسبةٍ من شأنها تفعيل المواطن في مسيرته نحو الغد الأفضل والحياة الحرة الكريمة.
إننا نضع أمام المسؤولين مطالبَ مشروعةٍ ومُلِحَّةٍ جداً وكفى بنا عقوداً عشناها منبوذين مُشرَّدين محرومين في عقر دارنا حُرمنا من أبسط حقوق المواطنة فليس من العدالة والإنصاف أن تبقى الحالة كما هي في السابق.
جئنا وكلّنا أملٌ أن نتلقّى من المسؤولين صدوراً وقلوباً متعاطفة مع قضيتنا العادلة وأيادٍ بيضاء تكتب لغدها دعاءً في أفواه المساكين والمظلومين وتاريخاً تتناقله الأجيال بكل فخرٍ، هذا وتقبّلوا فائق تقديرنا وخالص احترامنا.
أهالي تسين (تسعين)
* (تِسين) باللغة التركمانية وباللغة العربية تسمى (تسعين) كانت قرية تركمانية شيعية تقع في جنوب غرب مدينة كركوك وأصبحت بعد التوسع السكاني في كركوك ضاحية كبيرة فيها، ذبحها النظام البائد الحاقد عن بكرة أبيها فهدم جوامعها وحسينياتها ومنازل أهلها وأخرجهم عنوة فشردهم يمينا وشمالا وقتل المئات وشرد الآلاف من أبنائها لأنها كانت المركز الرئيسي لحزب الدعوة الإسلامية في شمال العراق فقد انتمى له أكثر أبنائها المؤمنين الرساليين من جهة ولأن جميعَ سُكّانها ينتمون إلى القومية التركمانية من جهة أخرى.