مع مرور الأيام وبيان المواقف أكثر فأكثر، يبدو أن العراق مقبل على مواجهة لا بد منها من شق واحد على الأقل. فالفيدرالية التي بات الاتفاق عليها محسوما، خلقت جدلا كبيرا في الوسط العراقي وقسمته إلى جبهتين، لا تزال المواجهة بينهما سياسية، على أمل ألا تتطور مستقبلا إلى أمور أكثر سوءا، نظرا إلى “الطريق المسدود”، الذي يواجهه النقاش السياسي المستمر.
والانقسام بات واضحا منذ اليوم الأول للإعلان عن النظام الفيدرالي، فالعرب بأطيافهم المختلفة يجمعون على فيدرالية إدارية، أو فيدرالية المحافظات كما باتت تعرف اليوم، وهو ما لا يستسيغه الأكراد الطامحون إلى تكريس الحكم الذاتي الذي حصلوا عليه بعد حرب الخليج الثانية، ولا ضير من توسيع رقعته ليشمل كركوك ومناطق عراقية أخرى يقطنها الأكراد، مستعينين بحجة “سياسة التعريب” التي اعتمدها الرئيس العراقي السابق صدام حسين في بعض مناطق شمال العراق، ليطردوا السكان العرب، بغض النظر عن كونهم “سكانا أصليين” أو ممن قدموا مع “التعريب الصدامي”.
ومجرد القبول بالمنطق الكردي في التعاطي مع مدن في شمال العراق يمثل فرضا غير منظور لمنطق “التكريد” في هذه المناطق، وذلك قبل البت في مصيرها فيدراليا، وهو النقاش الدائر اليوم على الجبهتين السابق ذكرهما.
وبالعودة إلى هذا النقاش، فالطرف العربي، المدعوم تركمانيا، يبني رفضه على منطق الحفاظ على الوحدة العراقية، فالفيدرالية العرقية أو الإثنية ستؤدي بلا شك إلى تقسيم العراق إلى دويلات ذات لون واحد، لا حاجة لتواصلها مع الأطراف الأخرى، كما أنها ستخلق خلافات حدودية، حول مدى المد الجغرافي لهذه الطائفة أو تلك، أما الفيدرالية الإدارية أو المحافظات فهي ستعطي نوعا من اللامركزية الإدارية لمراكز المحافظات المعروفة والمحددة جغرافيا، بشكل يبقى معه خيط الربط مع الحكومة المركزية.
لكن الرد الكردي جاء تهديدا ب “العودة إلى برلمان كردستان”، ما يعني أيضا انفصالا مسبقا عن الحكومة المركزية قبل الوصول إلى الفيدرالية المطلوبة كرديا، كذلك لوح الأكراد بإعلان العصيان المدني، وهو ما قد يتبعه في مرحلة لاحقة، إذا لم تلب الطلبات الكردية، إعلان “استقلال” من جانب واحد لإقليم “كردستان”، مع ضم المدن المرغوبة عسكريا إذا لزم الأمر، نظرا للانتشار المكثف لقوات البشمرجة في شمال العراق، أمام أعين القوات الأمريكية التي لم تحدد موقفها بوضوح من المطالب الكردية!