لأن الحياة عقيدة وجهاد.. فإن وجود كيان الفرد البشري لا أنفاس له عندما تكون المعتقدات صروحا من الهواء لا تستحق ومضة فكرة الجهاد في الذهن حتى فضلا عن السعي ببذل المهج لتحقيقها..
وعندما تولد وتجد أن قضيتك التي جئت مجاهدا لأجلها كي تحيا قد ولدت قبلك، ولا زالت تتناسل كل يوم، وأنها ربيبة الصمود، وميثاق صدق وجودك الروحي في هذا العالم، وأن انتصارها هو ميلاد أبدي متجدد لوجودك ولمستقبل تاريخ الأجيال من بعدك، فإنك بلا شك لن تسمح بأن يتم إلقاء القبض على قضيتك واغتيال مساعيك الدؤوبة للدفاع عنها والنضال دونها وهي لا زالت بعد في مهدها..
ولأن القضية التركمانية تمثل معتقدا غير محدود الأبعاد يسكن أرواح التركمان كجذور ا لصبر الأصيل في عتقه قابعا في أعماق أبنائها فقد استحقت أن يرصدوا طاقاتهم لنصرتها والدفاع عنها حتى صبابة الروح الأخيرة رغم مطاردة مناجل وهراوات قراصنة الدم ولأرواح والفكر والحقيقة لهذه القضية وأمتها وأبنائها المظلومين منذ عشرات السنين..
وكيف يستطيع لإرهاب ما تعملق وتضخم بتر انتمائك إلى قضية تتنفسها جميع مسام روحك ووجدانك في كل لحظة حتى غدت هي منك وأنت منها؟!
لا تسلط جائر عبر ظله أرض العراق إلا وصب جام ظلمه وبطشه على أراضي التركمان ليهلك الحرث والنسل.. الحزن الأصيل الشفاف لا زال يهطل على تلك البقاع الأبية كثلج قاتم أشبه بقطن أسود مندوف منذ عشرات السنين..
ثلاثون عاما ونظام جنون العظمة الفاسد المعقد على عرش رئاسة العراق العراق يصب تفسخات عقده من ويل وثبور وشهية مرضية لمرأى شلالات الدماء وقطع للأرزاق والأعناق على البقاع التركمانية وأبنائها، وكان الظلم المنصب على الأمة التركمانية العراقية وأبنائها في ذلك العهد اللا مرحوم ظلم مركب على الدوام.. فقد كانوا مضطهدين أولا لأنهم من أبناء هذا الشعب النبيل الطيب الذي زجت به المقادير بين مخالب الظلم والسادية الغير مبررة فتجرعت جميع فئاته وطوائفه اللا حاكمة صنوف الإذلال والقمع..
وثانيا لأنهم (تركمان)!!!!.. وجميع الأنظمة الحاكمة باسم جنون العظمة تعاني من عقدة (شعب الله المختار) على الدوام.. وكان انعكاس تلك العقدة الخطيرة التي استعمرت جمجمة نظام الحكم السابق على الفئة التركمانية بشكل خاص – لا سيما وأنها فئة مسالمة لا تستسيغ طعم الدماء- انعكاسا متضخما، فاغتصبت من حقوقهم ما يكاد يربو على ما اغتصبته من حقوق الفئات العراقية الأخرى..
واليوم يتدفق قراصنة القرن الواحد والعشرين ومخالبهم المعقوفة من أذناب الصهيونية لقضم فلذات غالية من البقاع التركمانية وجلد أهلها وسكانها بسياط الاضطهاد في محاولات جائرة لاغتيال وجودهم فيها لأسباب و دوافع قذرة تبصقها الإنسانية، على رأسها الظمأ الجشع لعصارة حفنة من وساخات الدنيا يسمونها النفط..
كما وأن وجود الأمة التركمانية في العراق يشكل خطورة كبرى على تلك الفئات وقرصنتها، لكونها تجهر بالدعوة إلى وحدة الكيان العراقي بجميع ذراته على تباينها، وتصدع بأحقية كل مواطن عراقي – من أي فئة كان – في الحياة بعدل وكرامة ومساواة على أرض بلادهم العزيزة كحقوق حيوية مشروعة سواء على الصعيد التركماني الخاص أو على الصعيد العراقي لعام بطرق حضارية حديثة و دون اتباع أدنى سياسة دموية لنيل تلك الحقوق، وهذا الهدوء الملوكي الصارخ دوما بانتصارات معنوية متتابعة وشاهقة تتفاقم نموا وتصاعدا كل يوم يروع تلك الفئات الوصولية التي تتعارض مصالحها مع وحدة العراق وتآخي أبنائها جميعا في ظلال السلام والوئام على أراضيها، فتتبخر بتحقق ذلك جميع الطموحات الأنانية الجشعة لأولئك القراصنة بابتلاع الأراضي العراقية بمن عليها وما عليها تمهيدا للتسلل إلى ما حولها من ديار والتهامها من بعدها..
إن صمود الأمة التركمانية والانتصارات المتتابعة لمساعيها السلمية في سبيل العدالة يجعل من وجودها مخرزا ساخنا مغروسا في عين العدو، وهذا ما يشعل النزعات الشيطانية للأعداء تخطط وتدبر في سراديب الظلام الفاسدة لاعتقال صوت تلك الأمة.. ولأن الجبهة التركمانية في العراق هي حنجرة الأمة التركمانية، لذا فقد تواترت المحاولات لقطع شرايينها في سبيل إطفاء نور صوت الحق والعدالة، وكان هذا دليلا سافرا على إيمان تلك الفئات بحقيقة وجود الأمة التركمانية وإن لم يعلنوا الاعتراف بذلك صراحة لفرط جبنهم.. فعندما يكون المرء أخرسا لا أحد يضيع وقته في التخطيط لبتر شرايين حنجرته في سبيل إخراسه..
لا يمكن القضاء على الشمس بإلقاء قنبلة تافهة عليها.. هذا مستحيل.. سترعد القنبلة وتزبد للحظات، وتبقى الشمس أميرة في عليائها وهدوئها الرفيع.. لكن الشمس ستحيا لتفيض على العالم بالحياة والتوهج، بينما يتبخر وجود القنبلة بعد لحظات من جنونها الناري..