!الطبخة الامريكية الجديدة نضجت.. والجلبي يأكل ثريدها
ثمة مفاجأة من العيار الثقيل، تبلغت بها أواسط سياسية وحزبية عراقية معينة مؤخرا، أحدثت صدمة للكثيرين بمن فيهم بعض المتعاونين مع جهات امريكية كوزارة الخارجية، وسي آي ايه، ودائرة مستشارة الامن القومي، ما زالت آثارها تصدع رؤوس بعض من تلقاها، هذه المفاجاة المذهلة، تتعلق بآخر مستجدات الطبخة الامريكية لما يسمى بعملية (تسليم السيادة الى العراقيين) وابرز ما فيها انها نضجت تماماً، ولم يبق غير صبها في الصحن، اي الاعلان عنها، وبات معلوماً ان صاحب الصحن هو ربيب البنتاغون احمد الجلبي لا غيره، الذي تفيد المعلومات الواردة عنه من بغداد ومن قصر صدام الذي يحمل اسم القصر الصيني الرئاسي بالمنطقة الخضراء حيث ينزل ويقيم، انه شمر ساعديه، لا للصلاة على الطريقة الشيعية بالطبع، التي تستلزم سجدات وركعات عديدة، مزاجه لا يقوى على أدائها رغم طائفيته السوداء ، وانما ليغرف من (ثريد) الطبخة، وهو استاذ لا ينافس في الغرف واللهف وطول اليد، ويوزع الفضلة على الاخرين الذين يرتبطون به في صداقات وتحالفات بعضها علني ومعروف، وبعض آخر خفي وغير مكشوف.
فقد نجح الخماسي الصهيوني في الادارة الامريكية المؤلف من نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع رامفسليد ومساعديهما الثلاثة بول وولفوتز وريتشارد بيرل وجاك فياث، من حسم معركة رئاسة الحكومة (العراقية) التي ستنقل اليها السيادة المزعومة، واقنع بوش بان الجلبي هو الشخص الوحيد الذي يصلح لشغل هذا الموقع الذي سيكون الاكثر اهمية وخطورة في تسلسل الهيئات الحكومية في المرحلة المقبلة على الاقل، التي ستشهد ابرام اتفاقيات امنية وعسكرية ونفطية، وليس هناك عراقي واحد لديه الاستعداد، ان يبصم عليها دون مناقشات ولو شكلية غير الجلبي، رغم الملاحظات الكثيرة عليه، عراقياً وعربياً ودولياً، بما فيها الولايات المتحدة الامريكية ذاتها، حيث تردد اسمه في تحقيقات الكونغرس قبل ثلاثة اسابيع، وثبت انه تلقى اموالا ًمن استخبارات البنتاغون مقابل معلومات تلفيقية اوقعت الاجهزة الامريكية في اخطاء قاتلة.
ومع ان وزير الخارجية الامريكية باول وزميله مدير السي اي ايه جورج تينت، اثارا خلال الاجتماع الذي عقد في البيت الابيض مطلع الشهر الحالي للبحث في قضية الحكومة العراقية التي ستنقل اليها (السيادة)، ان الجلبي -- وانا أنقل هنا عن عراقي يعمل بصفة مستشار في الخارجية الامريكية منذ سنوات كان في زيارة للندن قبل أربعة أيام -- غير مؤهل لقيادة الحكومة المقبلة لانه ملاحق قضائيا من سلطات بلدين عربيين (الاردن والامارات) بتهم الاختلاس، وممنوع من الدخول الى اغلب العواصم العربية باستثناء الكويت، ومرفوض من كثير من الدول بضمنها تركيا، ووجوده على رأس هكذا حكومة، يشكل عقبة على طريق العراق في تطبيع علاقاته وتوسيع تعاونه مع مختلف الدول والبلدان مستقبلاً، وان تعيين الجلبي في هذا المنصب الخطير، وفي هذا الوقت بالذات، سيخلق تشنجات واستفزازات للكثير من هذه الدول والحكومات، واقترح باول ان تسند رئاسة الحكومة الى شخصية تكنوقراطية وليس سياسية، غير ان تشيني ورامسفيلد رفضا ذلك، واصرا بان اسلوب (الصدمة) هو الذي ينفع مع العراقيين الآن، وان الدول العربية التي لها تحفظات على الجلبي، وأورد اسمي السعودية ومصر على سبيل المثال، ستسارع الى طي خلافاتها معه وتوجيه الدعوة اليه، وفرش البساط الاحمر في مطاراتها لاستقباله.
ويبدو ان هذا التطور الخطير لدى صناع القرار الامريكي أنتج سلسلة من المعطيات سياسيا وميدانياً، ابرز مظاهرها على الصعيد السياسي تطويع الامم المتحدة وسحبها الى اطر الاجندة الامريكية، وهذا ما ظهر في التوافق الذي جرى بين مبعوث المنظمة الدولية الاخضر الابراهيمي خلال زيارته الاخيرة للعراق، والسفيرين الامريكيين ببغداد روبرت بلاكويل أحد مستشاري كوندليزا رايز، المكلف بالتحضير لمرحلة نقل السلطة، وبول برايمر الحاكم المدني، وعلى الصعيد الداخلي، اتباع سياسة (الكسر والجبر) اي القسوة المتناهية والهدنة المنظمة، كما حدث في الفلوجة والنجف، والهدف من كل ذلك واضح تماماً وهو ردع بؤر المعارضة واستخدام مفرط للقوة في ضرب قواعدها الاساسية بقصد عزلها وتشتيتها، ومن ثم اظهار نوع من التراجع أزاءها ، لامتصاص زخم آثارها وتداعياتها، وهذا في رأي تشيني ورامسفيلد، أفضل طريقة أمريكية لمعالجة مثل هذه التحديات في الوقت الراهن لحين تشكيل حكومة عراقية، تبدو الحاجة اليها ضرورية، تتولى مواجهة حركات المعارضة وكأن الامر شأن عراقي، أمام الرأي العام الامريكي والعالمي على الاقل، ولا علاقة للامريكان به، كما لوحظ ميدانيا بهذا الصدد ايضاً ان القرارات الاخيرة التي صدرت مؤخرا في بغداد لها صلة واضحة بتهيئة الاجواء وتمهيد الارضية لمرحلة الجلبي، كتعيين علي علاوي ابن اخت الجلبي وزيراً للدفاع، واستبدال وزير الداخلية نوري البدران المحسوب على خصمه التقليدي ومنافسه العنيد اياد علاوي، بسمير شاكر (الصميدعي) الذي تبين ان الجلبي دسه مع آخر هو فيصل استربادي على كتلة عدنان الباجةجي، بعلم الاخير او غفلته (لا فرق) وهناك قناعة سائدة تؤكد بان الاثنين سيحتفظان بمقعديهما في الحكومة المقبلة، وسيدخل استربادي ايضاً فيها وزيراً للعدل، والحديث لا ينقطع بان المهندس عماد الخرسان الذي يطلق عليه اسم (قنطرجي البنتاغون) على اعتبار انه كان الواسطة في تشغيل مئة (مستشار) صوريا وتوقيع العقود معهم نيابة عن وزارة الدفاع الامريكية، سيمنح منصباً وزارياً بعد ان تنتهي مهمته الحالية في الثلاثين من حزيران/يونيو المقبل، ويعتقد انه سيعين وزيراً للاعمار.
ولترضية الاطراف الاخرى والحاقها بالعملية، فقد تم اقرار صيغة (مجلس الدولة) المكون من رئيس ونائبين، وهو مجلس عديم الفاعلية وبلا صلاحيات، فان ابرز المرشحين لحد الان لشغل مقاعده الثلاثة هم عدنان الباجةجي ممثلاً عن السنة، وعادل عبدالمهدي المنتفجي نائب رئيس المجلس الاعلى للثورة الشيعية ممثلا عن الشيعة ، وهوشيار زيباري وزير خارجية مجلس الحكم وخال مسعود البارزاني عن الأكراد، خاصة وان وزارة الخارجية في الحكومة المقبلة ستكون على الارجح من نصيب رندة فرانكي رحيم المعينة بصفة سفيرة فوق العادة حالياً في واشنطن.
ورغم ان مجلس الدولة سيكون هيئة بروتكولية وتشريفاتية، الا ان الاجتماع الاخير لمجلس الحكم الذي عقد في يوم الاثنين الثاني عشر من الشهر الحالي، شهد نقاشاً صاخباً عندما تقدم موفق رايز (ربيعي سابقاً) باقتراح غريب يعتقد ان الجلبي صاحبه، يتضمن حصر اصدار المراسيم والقرارات الخاصة بتعيين السفراء في الخارج بمجلس الوزراء وليس بمجلس الدولة كما هو مألوف، ولأول مرة - حسب شاهد عيان - يثور الباجةجي ويحمر وجهه عصبية وغضبا، وينهال على موفق الذي لم يكن موفقا كعادته في ما يقول ويتحدث، بكلام قاس واصفاً اياه باقذع الاوصاف، شارحاً له ولغيره من المجتمعين المهمات التي يجب ان تسند الى مجلس الدولة ليقوم بدوره.
وقد ادت الملاسنة بين الاثنين وحدتها، الى انهاء الاجتماع، غير ان الملاحظ ان معسكر الجلبي بدأ خلال الايام القليلة الماضية التي أعقبت ذلك الاجتماع يسوق اسم الشريف علي، صاحب (دكانة) الحركة الملكية بدلاً من الباجةجي لرئاسة مجلس الدولة، والشريف المذكور معروف بانه لعبة في يدي الجلبي واصبح واضحاً في بغداد الآن، ان الجلبي نفسه هو الذي رسم له خطة تشكيل ائتلاف سياسي هش باسم (مؤتمر العراق) ضم هامشيين ومغمورين وباحثين عن دور، وتبين ايضا ان الجلبي هو الذي اسكن الشريف في قصر استراحة الجادرية الحكومي (الخضيري سابقاً) بعد ان استولت عليه قوات ما يسمى (العراق الحر) التابعة له، وهو الذي يصرف عليه ويوزع العقود والمقاولات على اتباعه.
والكردي الآخر غير هوشيار المرشح لتسلم منصب كبير، النائب الاول لرئيس الوزراء، أي نائب الجلبي هو: كوسرت رسول، احد مساعدي جلال الطالباني، فيما البحث جار عن سني عربي ليكون النائب الثاني بعد ان اعتذر الشيخ غازي الياور عن تولي الموقع المذكور في أعقاب احداث الفلوجة وزعل قبيلته الشمرية عليه لدوره الضعيف فيها، ويتم حالياً تداول اسم حاجم الحسني نائب رئيس الحزب الاسلامي لهذا المنصب، وحاجم كما هو معروف، امريكي النشأة والتوجهات والجنسية، وله صلات قديمة مع عدد من اعضاء الكونغرس الجمهوريين، ورغم انه حديث عهد في الحزب الاسلامي (الاخوان المسلمين) ولكن قرابته لرئيس حزبه، محسن عبدالحميد عضو مجلس الحكم، وبلدياته ايضا على اعتبار ان الاثنين من منطقة واحدة (كركوك) اضافة الى أمريكيته، جعلت الانظار تتجه اليه، وهو أصلا واحد ممن يطلق عليهم بـ(الاحتياط الامريكي المضموم الى وقت الحاجة) ويبدو ان وقته قد حان.
وابشروا ايها العراقيون، بالرفاه والديمقراطية ورغد العيش، فكل شيء صار عندكم (أمريكي) من فوق ومن تحت، واشطبوا من مخيلتكم ذلك المثل الشعبي القديم الذي كنتم ترددونه سابقاً (مختار ذاك الصوب .. صاير جلبي) واستبدلوا مفردة (ذاك الصوب) بالبنتاغون، ويمشي الحال!!