نادرا ما نحظى بكاتب أنساني يتعمق في سبر دواخل الأنسان ومشاعره مثل الكاتب والشاعر العراقي نصرت مردان. فكلما قرأت له أكتشفت المزيد من أبعاد تلك الدواخل والمشاعر التي يتناولها بلا مزايدة وبلا أدوات مستهلكة وسطحية. أن معضلة الأنسان الجوهرية على وجه هذه الأرض عموما هي نفسها منذ أن وعى كلكامش حقيقة فناءنا عاجلا أم آجلا وأن كل ما نفعله لديمومتنا وتحقيق ذاتنا أو فرضها على الآخرين لوهمنا بتفوقنا عليهم ماهي الا هباء في هباء وذلك لسبب بسيط وهو: أن كلكامش لم يجد سر الخلود على الرغم من جبروته ونحن فانون لا محال أمام ديمومة ولانهائية الزمن وحتى الكون. أننا، والسنين التي نقضيها أمام مثل هذا الجبروت اللانهائي صغار بل لاشئ يذكر. ولكن مع ذلك فأن سنينا التي نقضيها على وجه هذه الأرض هي عالم واسع وسحيق بدواخلنا ومشاعرنا المتضاربة التي لها قدرة لانهائية ضمن عالمنا الخاص والعام الذي نخلقه لأنفسنا. ومن هذا العالم الخاص والسحيق والمتضارب يستنبط الكاتب قدراته ويتملك أدواته ليواجه نفسه والآخرين في تنظيم ذلك العالم الخاص الذي نخلقه لأنفسنا. هذا العالم هو عالمنا الحقيقي بعيدا عن جبروت الزمن والرب. فما للرب للرب وما لنا في هذا العالم هو ما نخلقه نحن من شر أو خير وما بينهما. وهنا يبرز دور الكاتب الحقيقي في تفكيك دواخل وتضاربات هذا العالم وبسطها بكل ما لديه من قوة أبدية خارقة بعيدة عن السطحيات والأدوات البالية والأساليب الرخيصة التي يتجه أليها الكثيرون والذين يسمون بالمبدعين على حساب مشاعرنا وآدميتنا.
نصرت مردان مبدع من النوع الأول وفي أبداعه لا يجامل ولا يتملق غير ضميره الأنساني. مناسبة هذا الحديث هي صدور مجموعته القصصية الأخيرة " حانة الأحلام السعيدة " (النمسا: دار ضفاف. الطبعة الأولى، ۲۰۰٣). ما جلب أنتباهي في هذه المجموعة القصصية هو قصته " أيكور. . أيكور. . آغفور آخجيك " على الرغم من أحتواء المجموعة للعديد من القصص الأبداعية الأخرى التي عودنا عليها الكاتب سواء باللغة العربية أو بلغته التركمانية منذ منتصف السبعينيات وليومنا هذا. هذه القصة تحكي وتسرد القضية الأرمنية بشكل محايد وأنساني وذلك من خلال تناوله قصة فتاة أرمنية في مدينة الكاتب الأزلية كركوك. تلك المدينة التي يفتخر أبناءها بنسيجهم الفريد والمتميز ضمن النسيج العراقي. يتناول الكاتب تلك القضية بعيدا عن المزايدات السياسية والرخيصة للكثير من الأطراف الشوفينية التي تحاول أخراج تلك القضية عن أبعادها الأنسانية وتوظيفها لغايات عنصرية. ببساطة أن قصة "أيكور. . أيكور. . " تسرد ما آل أليه مجموعة من البشر في زمن ما نتيجة صراعات القوى على المكاسب المادية. هذه القصة تكشف الأبعاد الأنسانية لتلك القضية.
نصرت مردان، وكما قلنا، ومن خلال سرد قصة فتاة أرمنية يتناول الأبعاد و الدواخل والمشاعر الأنسانية لتلك القضية بعيدا عن التزلف لقوة أو طرف سياسي كان طرفا في تلك القضية. وهنا لا أريد الدخول في تفاصيل تلك القصة التي يستطيع القارئ والقارئة مطالعتها وكشف تلك الأبعاد التي نسميها بالأنسانية. ما أريد التأكيد عليه هنا هو أن القضية الأرمنية قد أستخدمت من قبل الكثيرين، سواء من الأرمن القوميين أو الدول الغربية أو غيرهم وذلك من النيل من الآخرين وأستخدامها كورقة ضغط لغايات غير نبيلة وفي الوقت ذاته أهمل الأرمن أصحاب الشأن من المعادلة تماما مثلما يحدث لمجاميع كبيرة من البشر في عالمنا هذا.
في المقابل، صنع المخرج الكندي الأرمني الأصل آتوم آكويان فلم "آرارات" عن الأرمن قبل عامين. هذا الفلم الذي لم ينجح على مختلف المستويات كان هجوما عنصريا كاسحا على الشعب التركي وأظهار أمة كاملة بأنها وحشية ودموية و بدلا من التركيز على الأبعاد الأنسانية للقضية جاء فلما منحازا لا للأرمن بل للأغراض السياسية لجهات عديدة والتي تستخدم قضية الأرمن لتحقيق مصالحها الأبتزازية. ولهذه الأسباب بالذات لم تستسغ مجاميع الطبقة الواعية هذا الفلم.
من خلال هذه المقارنة البسيطة يتبين لنا المبدع الحقيقي عن المزيف أو عن اللامبدع.
ابداع و براعة نصرت مردان تكمن في صدقه وتحيزه للأبعاد الأنسانية في كتاباته أيا كان الأنسان. ذلك الصدق والتحيز البشري – سواء في أبراز الأيجابيات أو السلبيات للنوع البشري- هما جوهر الأبداع الحقيقي وهذا الذي نراه أيضا في القصص الأخرى التي يحويها كتابه "حانة الأحلام السعيدة".