العراق بين ألاحتلال المستديم وبين الحرب ألاهلية و التقسيم
ترتسم في سماء العراق هذه الايام أربع صور، ثلاثة منها مخيفة ومحزنة. الاولى شديدة الوضوح والثانية بالغة التعقيد والثالثة مرعبة النتائج أما الصورة الرابعة سنتحدث عنها في مقال آخر.
الصورة الاولى، شديدة الوضوح:
يبدوا أن الادارة الامريكية قد عقد العزم على تسليم سلطة، منقوصة ومقيدة، الى حكومة عراقية انتقالية جديدة، بحلول الثلاثين من يونيو، حزيران القادم. هذا ما تؤكده تصريحات المسؤولين الامريكيين بدأً من الرئيس بوش ووزيري خارجيته ودفاعه ومستشاره للامن القومي وانتهاءً ببول بريمر وجون نغروبونتي الذي سيحل محل بريمر. أن أصرارألادارة الامريكية على نقل السلطة للعراقيين، كما يمكن ان يلمسه أي مراقب حصيف، هو ليس حبا بالعراقيين أو أرضاءً للمجتمع الدولي أو لحسابات أستحقاقات الانتخابات الرئاسية الامريكية أو تنفيذا للوعد الذي قطعه الرئيس بوش على نفسه وأكده في مناسابات عديدة. في رأينا أن كل تلك الادعاءات والتأكيدات ليس لها علاقة بتسليم السلطة. أما نقل السيادة فلا نتحدث عنها، سواءً كانت منقوصة أو كاملة، لأن أي أنسان عاقل يحترم نفسه وعقله لايمكن أن يتصور أجتماع النقيضين، فالاحتلال نقيض السيادة والعكس صحيح أيضا، لهذا ليس بنا من حاجة لمناقشة هذا الموضوع في هذا المكان وأنما نتركه الى مقال آخر عندما نناقش الصورة الرابعة.
نحاول في السطور القادمة توضيح ما ذهبنا اليه.
في كلمته الاذاعية الاسبوعية يوم 15 الجاري، أكد الرئيس بوش بقاء قواته في العراق بعد تسليم السلطة الى العراقيين وحض دول مجموعة الثماني على تناسي خلافات الماضي وتشكيل تحالف يدعم استصدار قرار جديد من مجلس الامن يضمن مستقبل العراق. ولم يشير الى سحب قواته، أذا ما طلب العراقيون ذلك، حسبما أعلنه وزير خارجيته كولن باول في الاجتماع وزراء خارجية مجموعة الثماني الذي عقد في واشنطن مؤخرا، عندما قال: أن الاحتلال السياسي للعراق سيزول مع تسليم السلطة للحكومة الانتقالية، وأن القوات الامريكية ستنسحب من العراق اذا ما طلبت الحكومة الجديدة ذلك، ولكنه أستبعد أن تقدم الحكومة العراقية المقبلة مثل هذا الطلب. وبهذا وضع السيد باول العربة أمام الحصان مسبقا وحسم الموضوع مقدما.
وفي تصريح أخر أكد السيد باول أن قيادة القوات العراقية المستقبلية ستؤول الى قائد أمريكي يضطلع بمهمات قيادة قوات متعددة الجنسيات وذلك لضمان وحدة القيادة في أرض المعركة على حد تعبيره. بكلام أخر، سيبقى العراق ساحةً للمعارك والقتال وأن الجيش والاجهزة الامنية العراقية ستشارك في هذه المعارك تحت قيادة سلطة الاحتلال لقتل أخوانهم وبني جلدتهم من العراقيين.
ومن جانبها أكدت كونداليزا رايس، مستشارة الامن القومي للرئيس بوش، أن القوات الامريكية ستبقى في العراق حتى أنجاز ما أحتلت البلاد من أجله، وقالت في مقابلة مع صحيفة تاغيس شبيغل الالمانية أن واشنطن لم تصل بعد الى النقطة التي تريدها!!! وفي تصريح آخر أكدت على أن الاسابيع المقبلة ستكون صعبة.
أما بطل فضيحة سجن أبي غريب، دونالد رامسفيلد، فأكد بأنه لن يقود أي جندي أمريكي في العراق قائد غير أمريكي طالما هو باق في منصبه. وأن موعد 30 حزيرا يونيو ليس سحريا لأنسحاب القوات الامريكية، وأضاف قائلا: أن قواتنا لن تعود ولن تقوم بالتأكيد دولة عراقية قوية أبتدأً من هذا التاريخ تحت أنظار العالم.
أما جون نغروبونتي الذي رشحته الادارة الامريكية سفيرا لها في العراق، قال في جلسة امام لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ الامريكية، أن السيادة العراقية ستكون مقيدة، وشدد على ان عراق المستقبل لامكان فيه للمجموعات المسلحة وأن المسألة الان تكمن في معرفة ماهي الوسيلة الاكثر فعالية وحكمة في التعاطي مع هذا الموضوع، أحيانا لابد من مواجهة العنف بالعنف. وأضاف قائلا : أن دور الامم المتحدة في العراق لن يكون على حساب المصالح الامريكية. و أنه مع توسيع دور الامم المتحدة في المجال السياسي، لأن ذلك سيسهل التوصل الى دعم دولي ضروري لتحقيق النجاح في العراق. كما أكد على أنه سيرأس أكبر سفارة أمريكية في العالم في بغداد، قوامها 3 ألاف موظف. أي ربع موظفي وزارة الخارجية الامريكية.
ولانعلم ما هي الواجبات التي ستناط بهؤلاء الدبلوماسيين ورجال المخابرات في العراق الجديد؟ أن لم يكون حكم العراق والتجسس على المنطقة بأكملها. فهل سيقومون بأحصاء أشجار النخيل في العراق؟ وهل أصبح العراق القوة العظمى الثانية في العالم؟ لتهتم به الولايات المتحدة هذا الاهتمام غير المسبوق.
من جانب آخرأكد مسؤولون أمريكيون أن الحكومة الانتقالية ستكون محدودة الصلاحية وأشاروا الى بقاء (٢٠٠) مستشار أمريكي في الوزارات العراقية، بعد تسليم السلطة.
وبهذا يتضح أن عودة الولايات المتحدة الامريكية الى الامم المتحدة والموافقة على تعيين السيد الاخضر الابراهيمي ممثلا لأمينها العام لأجراء المشاورات مع الاطياف السياسية والشخصيات الوطنية العراقية لتشكيل حكومة للمرحلة الانتقالية، هو بقصد تسهيل أستحصال غطاء دولي لأحتلالها للعراق ومنحه الشرعية. وكذلك لتهيئة الاجواء المصطنعة لتظهر للعالم وللعراقيين على وجه الخصوص وكأن الامم المتحدة هي التي لعبت دورا أساسيا في أختيار أعضاء الحكومة الجديدة وتوحي لهم بأنها تشارك في العملية السياسية في العراق. بخلاف ماذهب اليه السفير نغروبونتي الذي أكد على أن دور الامم المتحدة في العراق لن يكون على حساب المصالح الامريكية. وما أكده بول بريمر في قوله: ان الادارة الامريكية وحدها صاحبة القرار في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ودور الاخضر الابراهيمي هو توضيح موقف المنظمة الدولية للحصول على قرار من مجلس الامن لمنح الحكومة الجديدة التأييد الدولي.
ليس هناك ما يمنع من عودة الامم المتحدة الى العراق، وأن تلعب دورا سياسيا لتهيئة الاجواء للانتخابات العامة التي ستجرى في بداية العام القادم، حسب ماهو معلن، بشرط أن تقوم بدورها الاساسي والقانوني وحماية الشرعية الدولية، وفقا لميثاقها، وأن تدين الاحتلال وتؤكد على خروج قواته من العراق، بدلا من منحه غطاءً دوليا شرعيا. بيد أن المراقبين يلاحظون أن الامم المتحدة تقوم بدور ليس دورها. فدور الامم المتحدة هو أن تدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الدول في المحافظة على سيادتها وأستقلالها ووحدة أراضيها. ولاتساهم في محاولات تدويل القضية العراقية وأضفاء الشرعية على الاحتلال المقيت. أن التدويل كلمة مطاطة شديدة الشبه والقرابة بكلمة التوريط أن جاز التعبير. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تسعى الى توريط الامم المتحدة في العراق لكي ينقذها العالم من مأزقها الذي يتفاقم يوما بعد يوم.
لقد تذرعت أدارة الرئيس بوش عشية غزو العراق بأنها تمتلك غطاءً شرعيا للقيام بهذه الخطوة يعوضها عن لاقانونية فعلتها، وشددت على أنه حين يتعارض القانون مع الشرعية، يجب تعديل الاول للتكيف مع الثاني. ألا أن السيدة ماري سلاوتر، عميدة كلية وودرو ويلسون للشؤون الدولية في جامعة برينستون الامريكية، تحاجج هذا المنطق وتقول: أن شرعية الغزو الامريكي لهذا البلد كانت تحتاج الى ثلاثة شروط: الاول العثور على أسلحة الدمار الشامل والثاني ترحيب الشعب العراقي بالقوات الحليفة وأخيرا العودة الى الامم المتحدة فور أنتهاء العمليات العسكرية. وتخلص الى القول: بعد سنة من دخول القوات الحليفة الى العراق، أستنتج بأن الغزو لم يكن قانونيا ولاشرعيا. أن قرار التحالف بأستخدام القوة من دون قرار ثان من مجلس الامن لايستطيع أن يكون سابقة مستقبلية، بل هو خطأ يجب أن يقود أمريكا ثانية الى التعددية الدولية الحقيقية.
ولهذا السبب تحاول الولايات المتحدة تسليم السلطة ولو شكليا الى العراقيين عبر أشراك الامم المتحدة في العملية، وأجبارها على أصدار قرار من مجلس الامن، وذلك لتحقيق الشرطين الثاني والثالث من الشروط التي ذكرتها ماري سلاوتر.
أن لجوء الولايات المتحدة الى الامم المتحدة لأستصدار قرار من مجلس الامن، هو من أجل أضفاء الشرعية الدولية والقانونية على أحتلالها للعراق، كما ذكرنا، وتحويل وصف تواجد قواتها وقوات حلفائها في العراق من صفة قوات أحتلال الى صفة قوات متعددة الجنسيات وبدعوة من الحكومة العراقية المؤقتة، التي ستختار وتعين أعضائها الولايات المتحدة بالتعاون مع ممثل الامين العام للامم المتحدة، في الاسابيع القلية القادمة. وبذلك يكون التواجد الامريكي في العراق تواجدا شرعيا وقانونيا ودائما لعشرات السنين القادمة، ولايمكن لأية حكومة عراقية قادمة، أو حتى الامم المتحدة نفسها، أن تطالب الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق، لأن ذلك يتطلب أستصدار قرار جديد من مجلس الامن، وحسب لوائح أجراءات مجلس الامن لايلغى قرار مجلس الامن الابقرار من المجلس نفسه،و يستحيل في هذه الحالة اصدار مثل هذا القرار، لتمتع الولايات المتحدة وبريطانيا بحق النقض (الفيتو) في مجلس الامن. وهكذا تكون الامم المتحدة قد ساهمت، مساهمة فعلية وعملية في تثبيت أحتلال العراق وتكريسه تحت غطاء الشرعية الدولية.
وهكذا يعيد التاريخ نفسه، فبعد أن خلقت الامم المتحدة الكيان الصهيوني الغاصب ومنحته الشرعية الدولية لأحتلال الاراضي العربية في فلسطين، تساهم اليوم في شرعنة أحتلال أمريكا و الصهيونية العالمية للعراق وتثبيته!! وكأن هذه المنظمة لم تنشأ ألا من أجل تكريس أحتلال الاراضي العربية، تحت مسميات الشرعية الدولية.
أن هدف الولايات المتحدة الامريكية، من تشكيل حكومة أنتقالية جديدة وتسليمها السلطة في الثلاثين من حزيران، يونيو القادم، بعد أضفاء الشرعية عليها بقرار من مجلس الامن، وبالاضافة الى حسابات أستحقاقات الانتخابات الامريكية، هو لتحقيق الاتي:
۱- توقيع اتفاقية مع الحكومة الجديدة، تدعوا الاخيرة بموجبها الولايات المتحدة الى أبقاء قواتها في العراق لتثبيت الامن والاستقرار وحماية العراق من الارهاب.
۲- توقيع اتفاقية أو معاهدة دفاعية مشتركة، تؤجر الحكومة الجديدة بموجبها قواعد عسكرية عراقية للولايات المتحدة لمدة 99 عاما.
٣- تمنح الحكومة الجديدة عقود أمتياز لأنتاج وأستكشاف وتصدير النفط العراقي للشركات الامريكية لمدة 49 عاما.
٤- تطلب الحكومة الجديدة من الولايات المتحدة الابقاء على مستشاريها في الوزرارات العراقية لحين أستكمال تدريب جيل جديد من الموظفين.
هذه هي الصورة، شديدة الوضوح، وهذا مايجب الانتباه اليه، نظرا لأنعكاساته الخطيرة، ليس على العراق فحسب، وأنما على المنطقة والعرب والعالم أيضا.
الصورة الثانية: بالغة التعقيد:
المشهد السياسي العراقي الداخلي مبهم وقاتم وزادته أبهاما و قتامةً، أغتيال الرئيس الدوري لمجلس الحكم عزالدين سليم.
أن الصراع حول الحصص الطائفية والاستحواذ علىالسلطة بين الاحزاب الممثلة في مجلس الحكم الانتقالي تشتد آواره مع أقتراب اليوم الموعود.
لنلقي أولا نظرة عاجلة على هذا المشهد لنستشرف مواقف المتنازعة حول تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة .
كشفت أحدى الصحف الخليجية قبل أيام قليلة، أن مجلس الحكم الانتقالي شهد اثناء اجتماعه بالحاكم الامريكي بول بريمر مشادة كلامية حادة بين عضو المجلس عبد الكريم ماهود والسفير بريمر، عندما طالب الاول بمنح دور سياسي لمقتدى الصدر وأشراكه في الحكومة الانتقالية القادمة لتفادي الازمة الحالية بينه وبين سلطات التحالف. وبخ بريمر السيد ماهود وأتهمه بموالاته لمقتدى الصدر، وأبلغ الحاضرين، ان الادارة الامريكية وحدها صاحبة القرار في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ودور الاخضر الابراهيمي هو توضيح موقف المنظمة الدولية للحصول على قرار من مجلس الامن لمنح الحكومة الجديدة التأييد الدولي. فبعد هذا الكلام الواضح الدقيق، عن أي حكومة جديدة يرضى عنها الشعب العراقي يتحدثون وعن أي تسليم للسلطة أو السيادة يتشدقون؟ ولانريد بعد كلام السيد بريمر أن نناقش مهمة السيد الابراهيمي، لأن دوره أصبح واضحا ولايزيد عن دور عامل مساعد وليس عامل مقرر.
رغم انه لم يبق سوى أقل من اسبوعين على الموعد المتفق عليه لتشكيل الحكومة الانتقالية في العراق، الا ان طبيعة هذه الحكومة غير واضحة الى الان، وأن الصراع بين الاحزاب الشيعية والسنية والكردية الممثلة في المجلس، حول توزيع المناصب والحقائب الوزارية على أشده، مما دعا عضو مجلس الحكم الانتقالي نصير الجادرجي الى القول: ان اعضاء المجلس ما زالوا غير متفقين على رؤية واضحة، وبعضهم ينتظر كلمة الموفد الدولي الاخضر الابراهيمي الذي لم يقل كلمته النهائية بعد.
برأينا أن مسألة تشكيل الحكومة العراقية الانتقالية الجديدة قد أقرت من قبل الامريكان، وأن الاشخاص الذين سيشكلونها قد تم أخيارهم وأنتقائهم، بعد أن وافقوا ووقعوا أو التزموا بالتوقيع على جميع طلبات سلطات الاحتلال في العراق. ووافقت على منح الولايات المتحدة الشرعية العراقية المطلوبة بعد الثلاثين من يونيو حزيران القادم، وكذلك وافقوا على أبقاء القوات العسكرية العراقية تحت قيادة أمريكية فضلا عن بقاء القرار الاقتصادي السيادي في يد السفارة الامريكية في بغداد. فما يجري الان من التحركات المكوكية والاجتماعات المتواصلة ما هي الا لأستكمال متطلبات ألاخراج المسرحي، لتعرض على العالم بعد الثلاثين من حزيران يونيو القادم ليس ألا.فأن الحكومة الانتقالية الجديدة سوف لاتكون ألا نسخة طبق الاصل من مجلس الحكم الانتقالي الذي أثبت فشله الذريع، وبأعتراف وأقرار أعضاء مهمين فيه. بعد تطعيمها بوجوه جديدة.
أن الحكومة العراقية الجديدة ستكون شكلا بلا مضمون، سلطاتها مصادرة وقراراتها لاتنفذ ألا بعد موافقة السفير الامريكي والمستشارون الامريكان. وقد أكد المسؤولون الامريكيون أن الحكومة الانتقالية ستكون محدودة الصلاحية واشاروا الى بقاء (۲٠٠) مستشار أمريكي في الوزارات العراقية. أن عملية نقل السلطة الى حكومة عراقية مؤقتة ستكون مجرد تبديل عنوان من دون انعكاسات عملية حقيقية، ولن تشكل حلا للوضع المضطرب في العراق، كما ذكر السيد سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي. السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة، ماذا سيحدث لو فرض الامريكيون والمبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي، التشكيلة الحكومية التي سيختارونها، ورفضتها الاحزاب الممثلة في مجلس الحكم، لاسيما الاحزاب الشيعية والكردية؟!
فالشيعة يريدون الاستحواذ على رئاسة مجلس السيادة أو رئاسة الوزارة أو كليهما معا، والاكراد يطمحون في أحد هذه المناصب، والامريكان لهم أجندة أخرى. والرئيس بوش يقول أنه لايرى أمكان قيام دولة شيعية في العراق، ورئاسة مجلس السيادة قد تم أختيـــاره ( على الاغلب من السنة). والجري حول ترشيح الابناء والاخوال والاعمام والاعوان للمناصب الوزارية، يقطع أنفاس أعضاء مجلس الحكم الانتقالي قبل أن يفوتهم القطار.
الصورة بالغة التعقيد، تحمل في طياتها وزواياها وأطرافها مفاجئات كثيرة وغير سارة للعراقيين أن لم تكن كارثية. فليحصد الامريكان نتائج البذرة الطائفية والعرقية المقيتة التي بذروها في العراق المنكوب. هل يريد الامريكان، في خضم هذه الفوضى والتكالب على المناصب، دفع العراقيين بأتجاه أشعال فتيل الحرب الاهلية؟
الصورة الثالثة، مرعبة النتائج:
أن التعرف على المشهد السياسي العراقي الان وما ستؤول اليه في الاسابيع والاشهر القادمة مهمة شاقة وجسيمة لأن الساحة العراقية تحمل، دائما، في أحشائها مفاجئات كبيرة من الصعب توقعها. أن بذور الطائفية والتتعصب العرقي الذي بثته وزرعته سلطات الاحتلال بأنتهاجها نظام الحصص والتقسيم الطائفي والعرقي عرضة للانفجار في أية لحظة، لتحرق الاخضر واليابس. (فجميع الأمور التي تتحرك على أرض الواقع العراقي تبدو كأنها واقعة تحت الضوء ويمكن التعرف عليها بسهولة، ولكن عند الغوص في أعماقها، سرعان ما تبدوا غائمة، مبهمة ومرعبة، كأنها ممنوعة من اللمس حتى بالذهن)..
نقلت شبكة كربلاء للانباء، عن المبعوث الرئاسي الاميركي جون بلاك ويل، تأكيده على انه قد تبلورت لدى السيد الاخضر الابراهيمي ، شكل الحكومة، وان اكثر من نصف الوزراء الحاليين سيستبعدون من الحكومة المقبلة، أما الاسماء التي سيتم اختيار رئيس الدولة من بينها، تحددت بثلاثة اسماء هي: عدنان الباجه جي وغازي الياور والشريف على( جميعهم من السنة) فيما سيترك للاكراد تحديد نائب رئيس الجمهورية وكذلك للشيعة اختيار النائب الآخر للرئيس. ويبدوا أن هناك ميلا الى ان يكون رئيس الوزراء من الشيعة أيضا.
وردا على هذا الخبر، صرح السيد نيجيرفان البارزاني (شقيق السيد مسعود البارزاني ورئيس حكومة أربيل) لجريدة ( خه بات) اليومية الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني قائلا: أن "الأكراد لا يساومون في حقهم المشروع حول المطالبة في المشاركة في دور قيادي في الحكومة العراقية المقبلة بعد تسلم السلطة في ٣٠ حزيران وهم يعتزمون تسليمهم أحد الحقائب الحساسة بين رئيس مجلس السيادة أو رئيس مجلس الوزراء والذي من المؤمل أن تتكون هيئة رئاسته القادمة من ثلاثة أشخاص". وأضاف البارزاني قائلا: "ندعو جميع الأطراف الى تحمل المسؤولية تجاه هذه المطالبة والتعامل مع هذه القضية بحساسية بالغة ومراعاة حقوق الشعب الكردي وتضحياته الجسيمة طوال السنين الماضية" وكرر قوله بأن "الشراكة بين القوميات المتآخية تفقد مصداقيتها عند عدم اعتبار هذه المطالبة حالة شرعية".
من جانب آخرأكدت أحدى الصحف الخليجية على أن جون بلاك ويل، قد عقد مؤخرا لقاء ثنائيا مع رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، السيد عبد العزيز الطباطائي الحكيم، تركز حول موضوع تشكيل الحكومة الانتقالية ، موضحا أن المبعوث الأميركي قد أكد للحكيم أن النسب الطائفية التي كان الانتقالي قد تشكل بموجبها سوف يتم اعتمادها في تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة. وهناك أحتمال أن يكون منصب رئيس الوزراء من حصة الشيعة.
وأذا أستمرت المواقف على ماهو عليه فربما سيدخل الاكراد والشيعة في صراع ومنافسة جادة قد يكون بداية أنفراط عرى التحالف بينهما.
وفي ظل هذه الاجواء، المتوترة، تجرى خلف الأبواب الموصدة وبعيدا عن الاضواء مداولات مكثفة بين بعض القوى الشيعية الممثلة وغير الممثلة في مجلس الحكم الانتقالي من اجل عقد مؤتمر يضم جميع القوى الوطنية، يهدف الى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة في حال عمدت سلطة التحالف الى فرض حكومة لا تحقق التمثيل الواسع للشيعة أوأستحواذهم على أحد المناصب الاساسية. ونعتقد أن الشيعة سوف لايرضون في أقل من رئاسة مجلس السيادة، لكونهم يمثلون الاغلبية، حسب أدعائهم.
كما تهدف المداولات، التي أشرنا اليها، الى تشكيل مجلس سياسي شيعي يتم من خلاله توحيد المواقف حيال جميع المستجدات والمفاجآت السياسية التي قد تطرأ على الساحة العراقية. مما قد يعني أن الشيعة يريدون تشكيل حكومة (ظل)، أو حكومة على غرار الحكومة الكردية، للتهيْ لأي طارىْ اذا لم تلبى مطاليبهم؟
واذا ما تعدت هذه المواجهات، الصامتة والحذرة، حدودها المحسوبة،فأن أحتمالات فتح أبواب الجحيم لأندلاع الحرب الاهلية لاسمح الله؟ والتي ستفتح الابواب على مصراعيها لتقسيم العراق الى ثلاثة دويلات؟ كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في القسم الغربي من العراق؟ أليس هذا ما تسعى اليه أمريكا والكيان الصهيوني وغيرهم!!!
أن الواجب الوطني والقومي والاسلامي يستدعي الوقوف بحزم أمام المحاولات الامريكية لتكريس وتثبيت أحتلالها وأستعمار العراق ومصادرة حرية شعبه وسرقة ثرواته وخيراته، مصادرة نهائية وبقرار من مجلس الامن وتحت غطاء الشرعية الدولية. ينبغي على القوى الخيرة في العالم أن تضغط على مجلس الامن للحيلولة دون اصدار قرار جديد يضفي الشرعية على الاحتلال والعمل على عدم تغيير صفة قواته الى صفة قوات متعددة الجنسيات، وكذلك الاعلان بأن الحكومة الانتقالية الجديدة ماهي ألا حكومة مؤقتة لتصريف الاعمال الحكومية العادية، لحين أجراء الانتخابات العامة وتشكيل حكومة عراقية شرعية ومنتخبة من قبل الشعب العراقي والتأكيد على أن جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي ستعقدها، سواء مع سلطات الاحتلال أو مع أي طرف آخر باطلة وغير قانونية، وكذلك التأكيد على أنه ليس من أخصاصها ممارسة الاعمال السيادية كتغيير العلم وشعار الدولة وكل ما يدخل ضمن هذا المفهوم. وأذا ما قامت بتلك الاعمال تحت ضغط سلطات الاحتلال فأنها تعتبر باطلا وغير ملزم للشعب العراقي مطلقا، لأنها حكومة مؤقتة معينة من قبل سلطات الاحتلال وغير منتخبة من قبل الشعب العراقي.
الشعب العراق تواق للديمقراطية والحرية والتعددية وأحترام حقوق الانسان وأقامة المؤسسات المدنية ونبذ الحروب. وتواق أيضا الى أنتزاع سيادته وأستقلاله، بالحسنى أن كان ذلك ممكناً. و أذا فشل المجتمع الدولي في انهاء الاحتلال، فأن الشعب العراقي قادر على تحرير وطنه وأستعادة أستقلاله وسياده وطرد الغزاة المحتلين، حتى لو تطلب ذلك الى أن يطلق على العراق بلد خمسة ملايين شهيد.
مازال هناك متسع من الوقت لتدارك الكارثة الحقيقية، لايعلم ألا الله، الى أين سيصل مداها.